فلما قرأها المتوكل ارتاع وتطيّر « 1 » وقال : أعوذ بالله من شر أقداره ، ثم دعا صاحب الدير ، فسأله عمن كتبها ؟ فقال : لا علم لي به « 2 » .
وأمّا الكتب وصفاتها فتجل عن الوصف ، ولقد أحسن ابن الجهم « 3 » في قوله :
سمير إذا جالسته كان مسليا * فؤادك مما فيه من ألم الوجد « 4 »
يفيدك علما أو يزيدك حكمة * وغير حسود أو مصرّ على الحقد
ويحفظ ما استودعته غير غافل * ولا خائن عهدا على قدم العهد
زمان ربيع في الزمان بأسره * يبيحك روضا غير ذاو ولا جعد « 5 »
ينوّر أحيانا بورد بدائع * أخصّ وأولى بالنفوس من الورد
وأنشد بعض العجم :
إذا ما خلا النّاس في دورهم * بخمر سلاف وخود كعاب « 6 »
وأنسهم في ظلام اللّيال * لغير النّدامى ورهو السّحاب « 7 »
خلوت وصحبي كتب العلوم * وبيت عروسي ببيت الكتاب « 8 »
ودرس العلوم شراب العقول * فدوروا عليّ بذاك الشّراب
وما يجمع المرء في دهره * سوى العلم يجمعه للتّراب
هامش
( 1 ) تطيّر : تشاءم .
( 2 ) ورد في الحماسة البصرية ج 1 ص 204 باب التأبين والرثاء ، أنّ قائل هذه الأبيات هو أحد أولاد روح بن زنباع الجذامي ، والذي كان أحد أعوان الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان .
( 3 ) علي بن الجهم بن بدر أبو الحسن ، شاعر رقيق الشعر أديب من أهل بغداد ، كان معاصرا لأبي تمام ، غضب عليه المتوكل فنفاه إلى خراسان ، أقام فيها مدة ثم انتقل إلى حلب وخرج منها مع جماعة يريد الغزو ، فاعترضه فرسان بني كلب فقاتلهم وجرح ثم مات من جرحه وذلك سنة 649 ه ( الأعلام ج 4 ص 269 ) .
( 4 ) وصف الكتاب بالمسامر والمسلّي الذي يكشف ويزيل هموم قارئه . والوجد : الحزن .
( 5 ) ذاو : ذابل . جعد : يبس وصلبت عيدانه .
( 6 ) السلاف : ما سال من عصير العنب قبل أن يعصر ، ويقال إنه أجود أنواع الخمر ، الخود :
المرأة الشابة . الكعاب : التي نهد ثديها ( جمعها : كواعب ) .
( 7 ) الندامى : الأصحاب مفردها نديم . . . والرهو : السير الناعم . وفي ( خ ) ، كما في كتاب ( نشر طيّ التعريف في فضل حملة العلم الشريف . ل : عبد الرحمن بن عمر الجيشي ص 217 ) :وآنسهم حسنات الليال * بعز الندامى وزهر الصحاب( 8 ) هكذا في ( خ ) وفي ( ط ) [ وبيت العروس ببيت الكتاب ] .