وأنشد غيره :
أنست إلى التّفرّد طول عمرى * فما لي في البريّة من أنيس « 1 »
جعلت محادثى ونديم نفسي * وأنسى دفترى بدل العروس
قد استغنيت عن فرسى برجلي * إذا سافرت أو نعل كبوس « 2 »
ولي عرس جديد كلّ يوم * بطرح الهم في أمر العروس
فبطنى سفرتى والخرج جسمي * وهميانى فمي أبدا وكيسى « 3 »
وبيتي حيث يدركني مسائى * وأهلي كلّ ذي عقل نفيس
ولئن كان الناطقون « 4 » قد وصفوا فجوّدوا ، وقالوا فأبلغوا ، فلقد قصّروا ، وأجلّ ممدوح من استقصر في مدحه المنتهى ، واستنزر في تفريطه المحتفل « 5 » ، وكيف لا ، والكتاب نعم الأنيس في ساعة واحدة ، ونعم المعرفة ببلاد الغربة ، ونعم القرين والدّخيل ، ونعم الوزير والنّزيل ، وعاء مليء علما ، وظرف حشى ظرفا « 6 » ، وإناء ملئ مزاجا « 7 » ، وحبّذا بستان يحمل في ردن « 8 » ، وروضة تنقلب في حجر .
هل سمعت بشجرة تؤتي أكلها كلّ ساعة ، بألوان مختلفة وطعوم متباينة ؟
هل سمعت بشجرة لا تذوي « 9 » ، وزهر لا يتوي « 10 » ، وثمر لا يفنى ؟ ومن لك بجليس يفيدك الشّيء وخلافه ، والجنس وضدّه ، ينطق عن الموتى ، ويترجم عن الأحياء ، إن غضبت عليه لم يغضب ، وإن سخطت عليه لم يجب ،
هامش
( 1 ) أنس التفرّد : ألف الوحدة . البرية : الخلق .
( 2 ) النعل الكبوس : الذي يشد على القدمين ويحميهما .
( 3 ) الهميان : كيس تجعل فيه النفقة ويشد على الوسط .
( 4 ) في ( خ ) النّاظمون .
( 5 ) استنزر : من النّزر اليسير القليل ، ومحتفل الشيء : معظمه .
( 6 ) الظرف الأولى : الوعاء . والثانية : بمعنى الحذق والبراعة والكياسة .
( 7 ) هكذا في ( ط ) وأصل العبارة للجاحظ في وصفه الكتاب ، ومما قاله : [ . . . إناء شحن مزاحا وجدّا ] .
( 8 ) الردن : مقدم كم القميص .
( 9 ) لا تذوى : لا تذبل ، يقال : ذوى النبات إذا ذبل وجفّ ماؤه .
( 10 ) لا يتوي : لا يهلك . توى الزهر : هلك .