أكتم من الأرض وأنمّ « 1 » من الريح ، وألهى من الهوى ، وأخدع من المنى ، وأمتع من الضّحى ، وأنطق من سحبان وائل « 2 » ، وأعيا من بأقل « 3 » .
هل سمعت بمعلّم واحد تحلّى بحلل كثيرة ، وجمع أوصافا غزيرة : عربي ، فارسي ، هندي ، سندي ، رومي ، يوناني ، إن وعظ أسمع ، وإن ألهى أمتع ، وإن أبكى أدمع ، وإن ضرب أوجع ، يفيدك ولا يستفيد منك ، ويزيدك ويستزيدك ، إن جدّ فيسرّ ، وإن مزح فنزهة ، قبر الأسرار وحرز الودائع ، قيد العلوم وينبوع الحكم ، ومعدن المكارم ، ومؤنس لا ينام ، يفيدك علم الأوّلين ويخبرك عن كثير من أنباء الآخرين .
هل سمعت في الأوّلين ، أو بلغك عن أحد من السّالفين جمع هذه الأوصاف مع قلّة مئونته ، وخفّة محمله ؟ لا يرزؤك « 4 » شيئا من دنياك ، نعم الذّخر « 5 » والعدّة ، والمستغلّ والحرفة « 6 » ، جليس لا يضرّ بك ، ورفيق لا يملّك ، يطيعك بالليل طاعته بالنهار ، ويطيعك في السفر طاعته في الحضر ، إن أدمت النظر إليه أطال إمتاعك ، وشحذ طباعك ، وبسط لسانك ، وجوّد بنانك ، وفخّم ألفاظك ، إن ألّفته خلّد على الأيام ذكرك ، وإن درسته رفع في الخلق قدرك ، وإن حملته نوّه عندهم باسمك ، يقعد العبيد في مقاعد السادة ، ويجلس السّوقة « 7 » في مجالس الملوك ، فأكرم به من صاحب ، وأعزز به من مرافق ، وقد قال فيه الأول :
هامش
( 1 ) يقال : [ نمنمت الريح التراب ] أي خطّته وتركت عليه أثرا شبه الكتابة .
( 2 ) سحبان وائل خطيب يضرب به المثل في البيان فيقال : « أخطب من سحبان وأفصح من سحبان . . » اشتهر في الجاهلية وعاش زمنا في الإسلام ، وكان إذا خطب لا يعيد كلمة ولا يتوقف ولا يقعد حتى يفرغ ، أسلم في زمن النبي صلى اللّه عليه وسلم ولم يجتمع به وأقام في دمشق أيام معاوية مات سنة 54 ه ، ( الأعلام 3 / 78 ) .
( 3 ) بأقل الإيادى : جاهلي من بنى ربيعة يضرب به المثل في العىّ من ذلك أنه اشترى ظبيا بأحد عشر درهما ، فمرّ بقوم فقالوا له : بكم اشتريت الظبي ؟ فمد يديه ودلع لسانه - يريد أحد عشر - فشرد الظبي وكان تحت إبطه والمثل المشهور ( أعيا من بأقل ) ، ( الأعلام 2 / 42 ) .
( 4 ) رزأ الشيء : نقصه وأصاب منه .
( 5 ) الذخر : ما أعدّ لوقت آخر في الدنيا أو الآخرة .
( 6 ) في محاضرات الأدباء للأصفهاني 1 / 150 ، قال : [ ذكر الجاحظ الكتب ، فقال : نعم الذخر والعقدة والجليس والعدّة . . . والمشتغل والحرفة ] .
( 7 ) السوقة : عامة الناس .