إن العاقل للكسوف على الوجه الكلى ، قد لا يعلم بوقوعه ؟ !
فعند ابن سينا أن من يعقل الكسوف على الوجه الكلى ، لا يلزم أن يعلم بآحاد الكسوف التي تقع .
ويعود ابن سينا إلى تأكيد هذا الأمر فيقول مرة أخرى
[ فإن كونه عالما بشئ ما ، تختص الإضافة به ، حتى إنه إذا كان عالما بمعنى كلى ، لم يكف ذلك في أن يكون عالما بجزئى جزئي ] .
فها هو ذا العلم الكلى الذي يثبته ابن سينا للواجب ، لا يلزمه العلم الجزئي الزماني ، وذلك أمر يصرح به ابن سينا تصريحا ، لا يحتمل التأويل .
فإذا كان ابن سينا ينفى عن اللّه العلم الزماني بالجزئي ، ويثبت له العلم الكلى المصرح به هذا التصريح ، فهل يبقى هنالك منفذ ، ولو مقدار ذرة ينفذ منه « الشيرازي » ليقول : إن كلام ابن سينا يحتمل هذا أو ذاك من الآراء ؟ !
ومن الغريب العجيب أنه كما أن « الشيرازي » صاحب المحاكمات قد نظر نظرة غير فاحصة في كلام « ابن سينا » لم يتمكن معها من الإحاطة بأطراف المقام ، وخول لنفسه - نتيجة لهذه السرعة ، وعدم الإحاطة - أن هناك في كلام ابن سينا مجالا لأن يتقبل ما شرحه هو به ، مما نقلناه لك سابقا ، وقارناه مع نص ابن سينا ، وبينا الفرق الشاسع بينهما .
كذلك نظر الشيخ « محمد عبده » في كلام « الشيرازي » نظرة غير فاحصة ، خيل له معها أن حمل كلام « ابن سينا » على ما حمله عليه « الشيرازي » هو خير محمل ، ولكن كلام ابن سينا - والحق أحق أن يتبع - لا يحتمل ما حمله إياه الشيرازي وتابعه فيه من غير روية الشيخ « محمد عبده » وليته كان يحتمله إذن لكنا من أشد الناس إذعانا له ، له ولكن كيف نذعن للخطأ ، وليس هنالك من لا يجوز عليه الخطأ إلا أن يكون ممن كتب اللّه لهم العصمة ؛ لأنهم ناطقون باسمه مبلغون عنه :
وهذا هو نص كلام الشيخ محمد عبده في هذا المقام :
[ وكلام الشيخ - يعنى « ابن سينا » - على هذا المحمل - يعنى محمل صاحب المحاكمات - من أحسن الكلام في هذا الباب ، وهو تحقيق مذهب الفلاسفة .
ميزان العمل — صفحة 98
مساهمون: الغزالي
ص٩٨