وعلى بعضها بأنه بعد ؟
وكيف نحكم على بعض الأشياء بأنه قد فات وانقضى ؟
وعلى بعضها بأنه حاضر ؟
وعلى بعضها بأنه سيأتي ؟
كيف تتأتى هذه التفرقة ؛ إذا لم يكن الانقضاء ، غير الحضور وكلاهما غير الإتيان ؟
فهل انقضاء الشئ ، عين حضوره ، وعين إتيانه المنتظر ؟
إن البداهة تأبى هذا وتنكره ، فهذه الأشياء إذن متباينة ، وإذن فالشىء الحاضر ، غير الماضي ، غير المستقبل ؛ حتى إن الشئ الواحد ، يكون غير نفسه ، بملاحظة هذه الأطوار التي يمر بها ؛ ولذلك أنكر الفلاسفة البعث بحجة استحالة إعادة المعدوم بعينه قائلين إن العدم إذا تخلل بين وجوديه : السابق واللاحق ، صار شيئين متغايرين : أولهما المبتدأ ، وثانيهما المعاد ، لا شيئا واحدا .
ومعنى المبتدأ ، هو الموجود في الزمان الأول .
ومعنى المعاد ، هو الموجود في الزمان الثاني .
فلمغايرة الزمان الأول ، للزمان الثاني ، صار الشئ مع مصاحبة الزمان الأول غير نفسه مع مصاحبة الزمان الثاني .
ولهذا التغاير قالوا : إن المبعوث لن يكون هو عين الشئ الأول ، وعلى هذا الأساس أنكروا إمكان البعث .
فإذا كان الزمان هكذا ، يحدث كل هذا التغاير فكيف يصح أن يقال :
إن الماضي هو عين المستقبل ؟
وكيف يكون الشئ عين ما هو غيره ؟
إن من الممكن أن يقال :
[ إن جميع الأزمنة معلومة له ] .
الماضي معلوم له على أنه ماض .
والحاضر معلوم له على أنه حاضر .
ميزان العمل — صفحة 101
مساهمون: الغزالي
ص١٠١