وأن يفهم قوله :
( لأن كل شئ لازم له بوسط ، أو بغير وسط ) .
على أن سلسلة الأشياء المترابطة ترابط اللزوم ، مترابطة في العلم ترابطا على نفس النحو الذي لا تعارض فيه مع ما سبق أن تقرر ؛ فإن العلم بالعلة على وجه شخصي لا يستلزم العلم بالمعلول على وجه شخصي أيضا ، بل يكفى العلم بالمعلول على وجه كلى ؛ فإني رأيت نارا ، ولم أر لها دخانا ، أستطيع أن أجزم بوجود الدخان ، لكن لا أستطيع أن أجزم بشخص الدخان ، مكوناته ، ولونه ، وطريقة انبعاثه .
كذلك إذا أمسكت بحبل اعلم أن له طرفا من الجهة الأخرى وجذبته ، فلم ينجذب ، علمت أنه ممسك بشئ ، أو أن شيئا ممسك به ، فإذا جذبت الحبل فطاولنى مدة لا يتأتى لما هو في مثل مادته ومقداره أن يزيدها بالمط ، علمت أن ما هو معلق بنهاية الحبل ، يتحرك بحركة الحبل ، شدّا وجذبا . اعلم ذلك من غير أن أعلم شخص هذا الذي يتحرك بحركتى وحركة الحبل .
فإذن العلم بالعلة ، لا يستلزم العلم بشخص المعلول ؛ وإذن فالقول بأن :
العلم بالعلة يقتضى العلم بالمعلول :
لا يستلزم القول بأن الأول الواجب - لكونه علة للجزئيات - يجب أن يعلمها من جهة شخصيتها ، بل يكفى أن يعلمها بوجه كلى .
فيمكن الجمع على هذا بين القاعدة السابقة ، وبين القول .
بأن الواجب ليس موضوعا للتغير .
وأنه لذلك لا يعلم الجزئيات المتغيرة من جهة تغيرها .
ومن جملة ذلك نخلص بهذه النتيجة ، التي يصورها الغزالي في كتابه ( تهافت الفلاسفة ) « 1 » تمهيدا للرد عليها قائلا :
[ مسألة : في أبطال قولهم : إن اللّه تعالى عن قولهم - لا يعلم الجزئيات
هامش
( 1 ) ص 204 نشر دار المعارف الطبعة الثالثة .