وهذا الذي يقوله الغزالي عن العلم الطبيعي كلام حق من وجهة نظر الدين لا يخالف في كونه كذلك منصف ؛ فإن كون الطبيعة مسخرة للّه ، لا تعمل بنفسها وإنما هي مستعملة من جهة فاطرها وخالقها ، وكون الشمس والقمر والنجوم والطبائع مسخرات للّه وبأمر اللّه ، لا فعل لشئ منها في شئ ، بمقتضى الذات والحقيقة ، أمر تشهد به نصوص القرآن وللفلاسفة كلام في الطبيعة يخرج على هذا المبدأ ويعارضه ، ومن أراد أن يستقصى الأمر فيه ، ففي كتاب ( تهافت الفلاسفة ) مجال فسيح لمعرفة وجهة نظر هؤلاء وأولئك .
على أنه قد مر بنا فيما اقتبسناه من كتاب ( اللّه يتجلى في عصر العلم ) ما فيه الكفاية لمعرفة مبلغ نفوذ علم اللّه وشمول قدرته ، وأن الكون مخلوق له ، وله بداية ، وله نهاية ، وما يكون هذا شأنه ، فلا يشق على العاقل أن يدرك كونه مسخرا للّه لا فعل لشئ منه بذاته عن ذاته
* * * ونتابع الغزالي في تعداد علوم الفلاسفة ، لندرك أين هي من الحقيقة التي يبحث عنها الغزالي ، وأين الحقيقة منها ، قال :
[ وأما الإلهيات : ففيها أكثر أغاليطهم ، فما قدروا على الوفاء بالبراهين ، على ما شرطوا في المنطق ؛ ولذلك كثر الاختلاف بينهم فيه .
ولقد قرب أرساطاليس مذهبه فيها من مذاهب الإسلاميين على ما ذكره الفارابي وابن سينا .
ولكن مجموع ما غلطوا فيه يرجع إلى عشرين أصلا .
يجب تكفيرهم في ثلاثة منها .
وتبديعهم في سبعة عشر .
ولإبطال مذهبهم في هذه المسائل العشرين ، صنفنا ( كتاب التهافت ) .
أما المسائل الثلاث فقد خالفوا فيها كافة المسلمين ؛ وذلك في قولهم :
إن الأجساد لا تحشر ، وإنما المثاب ، والمعاقب هي الأرواح المجردة .
والعقوبات روحانية ، لا جسمانية .
ولقد صدقوا في إثبات الروحانية ؛ فإنها كائنة أيضا ، ولقد كذبوا في إنكار الجسمانية . وكفروا بالشريعة فيما نطقوا به .
ميزان العمل — صفحة 74
مساهمون: الغزالي
ص٧٤