وربما ينظر في المنطق أيضا من يستحسنه ويراه واضحا فيظن أن ما ينقل عنهم من الكفريات مؤيد بمثل تلك البراهين . فاستعجل بالكفر قبل الانتهاء إلى العلوم الإلهية فهذه الآفة أيضا متطرقة إليه « 1 » ] .
أما أن المنطق لا تعلق له بقضايا الدين وحقائقه ، فذلك حق .
وأما أنه طريق للمعرفة فقد كان كذلك في القديم ، وما يزال أيضا في عصرنا هذا عند كثيرين ، لم يزالوا يعولون عليه كطريق لكسب المعرفة ، وإن نازعهم في كثير من أمره من يسمون بأصحاب المنطق الحديث ، والمنطق الحديث لون من ألوان الفكر يحاول كسب المعرفة بطريق آخر غير الطريق الذي عرفه الفلاسفة الذين يحكى عنهم الغزالي .
وأما أن الفلاسفة لم يطبقوا منطقهم هذا في آرائهم الدينية ، بنفس الدقة التي راعوها في أرائهم الرياضية ، فذلك حق .
وآيته أنهم لم يختلفوا في علومهم الرياضية ، ويكادون لا يتفقون في المسائل الدينية . وقد رد الغزالي الفرق بين علوم الفلاسفة الرياضية وعلومهم الدينية ، إلى أن الأولى قد أمكنهم إخضاعها للمنطق ، أما الأخرى فلم يتأت لهم ذلك ، قال في كتابه ( تهافت الفلاسفة
[ وقد رد - يعنى أرسطو - على كل من قبله - يعنى في مسائل الدين - حتى على أستاذه الملقب عنهم بأفلاطون الإلهى ، ثم اعتذر عن مخالفته أستاذه بأن قال :
أفلاطون صديق ، والحق صديق ، ولكن الحق أصدق منه ] .
ثم قال الغزالي :
[ وإنما نقلنا هذه الحكاية - يعنى حكاية اعتذار أرسطو عن مخالفته أستاذه أفلاطون - ليعلم أنه لا تثبت ولا إتقان لمذهبهم عندهم ، وأنهم يحكمون بظن وتخمين من غير تحقيق ويقين .
ويستدلون على صدق علومهم الإلهية ، بظهور العلوم الحسابية والمنطقية ، ويستدرجون به ضعفاء القول .
هامش
( 1 ) تهافت الفلاسفة ص 74 نشر دار المعارف طبعة ثالثة .