فهم حقائق الأمور ، فليست رسالات السماء مصدرا المعرفة حقائق الأمور المتعلقة بالدين .
وإذن ، لو تعارضت آراء الفلاسفة ، مع قضايا الدين ، فآراء الفلاسفة هي الجديرة بالقبول ؛ لأنها هي التي تشرح حقائق الأمور شرحا مطابقا لما عليه هذه الحقائق في نفس الأمر .
وهذا المفاد هو الذي يتنكر له الغزالي ، ونتننكر له نحن معه ، ويتنكر له معنا كل من يعرف للدين قدسيته ، وللأنبياء حرمتهم : فإن الباب الذي يفتحه الفلاسفة ، لو عرفه الناس لادعى كل أنه قادر على ولوجه ، فينخلع الناس من الدين وينحل عنهم رباطه .
* * * أما الأمر الذي لا نستطيع أن نوافق الغزالي عليه فهو قوله ؛ في شأن علوم الرياضة :
[ فهذه آفة عظيمة لأجلها يجب زجر كل من يخوض في تلك العلوم ] .
فهذه دعوة إلى الجهل ؛ إذ لا يسوغ لنا أن نمنع من علوم الرياضة كل الناس ؛ إذ ليس كل الناس عرضة للوقوع في أخطار هذه الآفة .
* * * ونعود إلى الغزالي نستمع إليه ، يقص علينا بقية رأيه في علوم الرياضة ، يقول :
[ الآفة الثانية : نشأت من صديق للإسلام جاهل ، ظن أن الدين ينبغي أن ينصر بإنكار كل علم منسوب إليهم ، فأنكر جميع علومهم وادعى جهلهم فيها ، حتى أنكر قولهم في الكسوف والخسوف ، وزعم أن ما قالوه ، هو على خلاف الشرع .
فلما قرع ذلك سمع من عرف ذلك بالبرهان القاطع ، لم يشك في برهانه ، لكن اعتقد أن الإسلام بنى على الجهل وإنكار البرهان القاطع ، فيزداد للفلسفة حبّا ، وللإسلام بغضا .
ولقد عظم على الدين جناية من ظن أن الإسلام ينصر بإنكار هذه العلوم .
وليس في الشرع تعرض لهذه العلوم بالنفي أو الإثبات .
ولا في هذه العلوم تعرض للأمور الدينية .
ميزان العمل — صفحة 68
مساهمون: الغزالي
ص٦٨