بل لكل صناعة أهل بلغوا فيها البراعة والسبق ، وإن كان الحمق والجهل قد يلزمهم في غيرها .
فكلام الأوائل في الرياضيات برهاني .
وفي الإلهيات تخمينى .
لا يعرف ذلك إلا من جر به وخاض فيه .
فهذا إذا قرر على هذا الذي اتخذ الكفر بالتقليد ، لم يقع منه موقع القبول ، بل تحمله غلبة الهوى وشهوة البطالة . وحب التكايس على أن يصر على تحسين الظن بهم في العلوم كلها .
فهذه آفة عظيمة ؛ لأجلها يجب زجر كل من يخوض في تلك العلوم ، فإنها وإن لم تتعلق بأمر الدين ، لكن لما كانت من مبادئ علومهم يسرى إليه شرهم وشؤمهم ، فقل من يخوض فيه إلا وينخلع من الدين ، وينحل عن رأسه لجام التقوى ] .
إن الثقة حين تتمكن من قلب امرئ ، يكون من الصعب انتزاعها منه .
والفلاسفة وقد اخترعوا الرياضية قد ظفروا بثقة لاحد لها . ومن الصعب على المرء أن يرمى بالغباء والبلادة في أمر من الأمور ، من بلغ حد العبقرية والنبوغ في أمر أصعب منه .
هذا كله حق . وعلى هذا الأساس ، لما تورط الفلاسفة في أمور الدين لم يك من السهل إقناع الناس بأنهم مخطئون فيما خالفوا فيه جمهور المسلمين .
والأمر الذي يجب أن يتنبه له المفتونون بالفلسفة والفلاسفة ، أن أخطاء الفلاسفة في أمور الدين ، مما سيذكرها الغزالي بعد ، ليست راجعة إلى عباء ، أو إلى جهل ، ولكنها راجعة إلى إسراف في الثقة بالنفس .
فالدين يتلقى من اللّه ، بوساطة الرسل ، وعلى الناس الامتثال والطاعة ، بعد أن يكونوا قد فهموه وأطمأنوا إلى صدقه وصوابه بالعقل الناضج والفكر السلم .
فدوز العقل في الدين ، يأتي في المرحلة الثانية ، لا في المرحلة الأولى ، إن العقل يقوم في الدين بدور الفاهم لا بدور الخالق المخترع .
أما في علوم الكون فلا بأس أن يقوم العقل بدور المخترع المكتشف ،
ميزان العمل — صفحة 66
مساهمون: الغزالي
ص٦٦