ولو أن الفلاسفة ساروا على هذا النهج ، لما حصل الصدام الذي هوّن من شأن الدين في نظر من لهم في الفلاسفة ثقة ، وبغّض في الفلسفة والفلاسفة من رأوا أن الفلاسفة صادموا بآرائهم أصول الدين .
فأخطاء الفلاسفة في مسائل الدين جاءت من ناحية أنهم أرادوا أن يقوم العقل بالدور الأول فيه . وكان لا بدّ - نتيجة لهذا - أن ينتهوا إلى غير ما انتهت إليه رسالات السماء .
فإذا قال الغزالي ، أو غيره : إن الفلاسفة أخطأوا في أمور الدين ، فإنه ليس يعنى أنهم بلغوا في الغباء حدّا لم يبلغه غيرهم ، وإنما يعنى أنه قد بلغ بهم الغرور حدّا لم يبلغه مع غيرهم ، حتى لقد أرادوا أن تأخذ عقولهم ونتاج عقولهم مقاما أسمى من مقام رسالات السماء ، وشرع رسالات السماء .
ولكي لا تظن بي التحامل عليهم ، أضع بين يديك بعض نصوص من كتاب لابن سينا اسمه ( رسالة أضحوية في أمر المعاد « 1 » ، قال :
[ أما الشرع فينبغي أن يعلم فيه قانون واحد ، وهو أن الشرع والملل الآتية على لسان نبي من الأنبياء ، يرام بها خطاب الجمهور كافة ] « 2 »
وقال :
[ لعمري لو كلف اللّه رسولا من الرسل أن يلقى حقائق هذه الأمور إلى الجمهور من العامة الغليظة طباعهم ، المتعلقة بالمحسوسات الصرفة أوهامهم . . . .
ثم سامه أن يتولى رياضة نفوس الناس قاطبة حتى تستعد للوقوف عليها ، لكلفه شططا ، وأن يفعل ما ليس في قوة البشر ] « 3 »
وقال :
[ فظاهر من هذا كله أن الشرائع واردة لخطاب الجمهور بما يفهمون ، مقربا ما يفهمون ، إلى أفهامهم بالتشبيه والتمثيل ] « 4 »
ومفاد هذا أن رسالات السماء ليست مصدرا لمعرفة حقائق الدين ؛ لأنه ما دامت هذه الرسالات واردة لخطاب الجمهور بما يفهمون ، وما دام الجمهور لا يستطيع
هامش
( 1 ) نشرتها دار الفكر العربي بتحقيقنا .
( 2 ) ص 44 .
( 3 ) ص 49 .
( 4 ) ص 50 .