تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ميزان العمل — صفحة 450

مساهمون:

ص٤٥٠
المجتمع . ( فليتحمل العلماء وزر هذا الصنيع ، وليبوؤا باسم هذه القدوة العملية السيئة ، فإن الناس ينظرون إلى أفعال العلماء أكثر مما ينظرون إلى أقوالهم . فإذا كانوا هم أنفسهم ، وقد امتزج العلم بدمهم ولحمهم ، لا يستطيعون أن يجعلوا من سيرتهم مثلا عمليا لإمكان تطبيق مبادئ الشريعة ، فليتدبروا قول اللّه تعالى :
« أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ »
وقوله تعالى
« كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ »
159 ما ينبغي أن يكون عليه من يضعون أنفسهم مواضعها . فلنعد إلى كبار النفوس ، أرباب العزائم ، ممن لم يرضوا أن ينسلكوا في غمار العلماء الذين يتخذون عملهم وسيلة لعرض من أعراض الدنيا ، يتجرون بالعلم ، كما يتجر أصحاب السلع في سلعهم . لنعد إلى الغزالي ، الذي أدرك نفسه قبل أن يشرف على الهلاك وتيقظ قبل فوات الأوان ، وصعد مكانا يليق بأمثاله ممن لا برضون أن يكونوا عبيدا إلا للّه ، لا لشهواتهم ، ولا لأهوائهم ولا لأموالهم ، ولا لمناصبهم ، فإن العبودية لكل هذه الأمور مذلة وهوان ، وإنما العبودية للّه وحده ، فهي السمو بالنفس عن مجالات الهوان ، والذلة ، والضعة ، وهي المقام الأسمى الذي لا يتطاول إليه إلا العلماء الأعزاء .
« وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ »
161 الغزالي يصف حاله بعد أن جاوز مراحل الحيرة والاضطراب ( وانكشف لي في أثناء هذه الخلوات أمور لا يمكن إحصاؤها واستقصاؤها الغزالي يقرر رأيه في الصوفية 161 ( والقدر الذي أذكره لينتفع به أنى علمت يقينا أن الصوفية هم السالكون لطريق اللّه تعالى خاصة ، وأن سيرتهم أحسن السير ، وطريقهم أصوب الطرق ، وأخلاقهم أزكى الأخلاق . بل لو جمع عقل العقلاء ، وحكمة الحكماء ، الواقفين على أسرار الشرع من العلماء ليغيروا شيئا من سيرهم وأخلاقهم ويبدلوه بما هو خير منه ، لم يجدوا إليه سبيلا . فإن جميع حركاتهم وسكناتهم في ظاهرهم وباطنهم ، مقتبسة من نور مشكاة النبوة ، وليس وراء نور النبوة على وجه الأرض نور يستضاء به . وبالجملة : فما ذا يقول القائلون في طريقة طهارتها وهي أول شروطها ، تطهير القلب بالكلية عما سوى اللّه تعالى ، ومفتاحها الجاري منها مجرى التحريم من الصلاة ، استغراق القلب بالكلية عما سوى اللّه تعالى ، وآخرها الفناء بالكلية في اللّه . وهذا آخرها بالإضافة إلى ما يكاد يدخل تحت الاختيار والكسب من أوائلها ، وهي على التحقيق أول الطريقة ، وما قبل ذلك كالدهليز للسالك إليه . ومن أول الطريقة تبتدئ المكاشفات والمشاهدات ، حتى إنهم في يقظتهم يشاهدون الملائكة وأرواح الأنبياء ،