تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ميزان العمل — صفحة 448

مساهمون:

ص٤٤٨
فكذلك فرق بين أن تعرف حقيقة الزهد وشروطها وأسبابها . وبين أن يكون حالك الزهد ، وعزوب النفس عن الدنيا ] الغزالي يصور حال الصوفية فيقول : 155 ( فعلمت يقينا أنهم أرباب أحوال ، لا أصحاب أقوال ، وأن ما يمكن أن يحصل بطريق العلم فقد حصلته ، ولم يبق إلا ما لا سبيل إليه بالسماع والتعلم ، بل بالذوق والسلوك . وكان قد حصل معي من العلوم التي مارستها والمسالك التي سلكتها ، في التفتيش عن صنفى العلوم الشرعية والعقلية ، إيمان يقيني باللّه تعالى وبالنبوة ، وباليوم الآخر ) 155 ليس يخالط منصفا شك في أن للنفوس مداخل تدخل عليها منها الحقيقة . وإن كثرة مزاولة البحث وإدامة النظر والتفتيش عنها مع رغبة صادقة في الوصول إليها ، قد تنتهى بصاحبها إلى معرفة تبلغ حد اليقين . والنفوس تختلف في هذا الأمر اختلافا بينا ، فما يهدى نفسا قد يضل أخرى . وما يكفى لواحدة قد لا يبلغ حد الكفاية عند غيرها . فليس من حقنا أن ننكر على الغزالي ما حكى لنا أنه وقع له ، على الرغم من أنه قد قرر في بعض كتبه ، أن الإيمان باللّه والنبوات واليوم الآخر ، لا يبلغ مبلغ اليقين الرياضى ، بل يكون دونه . فلعل ما ذكره هناك في تلك الكتب كان حديثا عما يقع لعامة الخلق وغالبيتهم لا عما يقع للخاصة منهم . فإن أرباب المشاهدات من الصوفية بل أصحاب النظر الدقيق في العالم من حيث دقة صنعه ، وكمال إتقانه ، يبلغ إيمانهم باللّه مبلغا لا بقل عن اليقين الرياضى معنى قوله تعالى
[ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ . . . ]
156 الغزالي يصورد خائل النفس الإنسانية وما يعتورها حين تتجاذبها عوامل الفتنة وعوامل الفطنة فيقول : 157 ( فهذه الأصول الثلاثة من الإيمان كانت رسخت في نفسي لا بدليل معين بل بأسباب وقرائن وتجارب لا تدخل تحت الحصر تفاصيلها . وكان قد ظهر عندي أنه لا مطمع في سعادة الآخرة إلا بالتقوى ، وكف النفس عن الهوى ، وأن رأس ذلك كله قطع علائق القلب عن الدنيا بالتجافى عن دار الغرور ، والإنابة إلى دار الخلود . والإقبال بكل الهمة على اللّه تعالى . وإن ذلك لا يتم إلا بالإعراض عن الجاه ، والمال ، والهرب عن الشواغل والعلائق . ثم لاحظت أحوالي فإذا أنا منغمس في العلائق ، وقد أحدقت بي من الجوانب . ولاحظت أعمالى وأحسنها التدريس والتعليم ، فإذا أنا فيها مقبل على علوم غير مهمة ولا نافعة في طريق الآخرة . ثم تفكرت في نيتي في التدريس فإذا هي غير خالصة لوجه اللّه تعالى ، بل باعثها ومحركها طلب الجاه وانتشار الصيت . فتيقنت أنى على شفا جرف هار ، وأنى قد أشفيت على النار ، إن لم أشتغل بتلافى الأحوال ، فلم أزل أتفكر فيه وأنا بعد على مقام الاختيار ، أصمم العزم على الخروج من بغداد ومفارقة تلك الأحوال يوما ، وأحل