تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ميزان العمل — صفحة 447

مساهمون:

ص٤٤٧
شئ من الشفاء المنجى من كليات الآراء ، بل هم مع عجزهم عن إقامة البرهان على يقين الإمام ، طالما جربناهم فصدقناهم في الحاجة إلى التعليم ، وإلى المعلم المعصوم ، وأنه الذي عينوه ، ثم سألناهم عن العلم الذي تعلموه من هذا المعصوم ، وعرضنا عليهم إشكالات فلم يفهموها ، فضلا عن القيام بحلها . 153 فلما عجزوا أحالوا على الإمام الغائب وقالوا : إنه لا بد من السفر إليه . والعجب أنهم ضيعوا عمرهم في طلب العلم ، وفي التبجح في الظفر به ولم يتعلموا منه شيئا أصلا ، كالمضمخ بالنجاسة يتعب في طلب الماء حتى إذا وجده لم يستعمله ، وبقي مضمخا بالخبائث . ومنهم من ادعى شيئا من علمهم ، وكان حاصل ما ذكروه شيئا من ركيك فلسفة « فيثاغورث » وهو رجل من قدماء الأوائل ومذهبه أرك مذاهب الفلاسفة ، وقد رد عليه أرسطوطاليس بل استرك كلامه واسترذ له ، وهو المحكى في كتاب « إخوان الصفا » وهو على التحقيق حشو الفلسفة . فالعجب ممن يتعب طول العمر في تحصيل العلم ، ثم يقنع بمثل ذلك العلم الركيك المستغث ، ويظن أنه ظفر بأقصى مقاصد العلوم . فهؤلاء أيضا جربناهم ، وسبرنا ظاهرهم وباطنهم ، فرجع حاصلهم إلى استدراج العوام ، وضعفاء العقول ، ببيان الحاجة إلى المعلم ، ومجادلتهم في إنكار الحاجة إلى التعليم بكلام قوى مفحم ، حتى إذا ساعدهم على الحاجة إلى المعلم ، مساعد ، وقال : هات علمه ، وأفدنا من تعليمه ، وقف وقال : الآن إذا سلمت لي هذا فاطلبه ، فإنما غرضى هذا القدر فقط ، إذ علم أنه لو زاد على ذلك لا فتضح ، ولعجز عن حل أدنى المشكلات . بل عجز عن فهمه فضلا عن جوابه ) . الغزالي يجد ضالته المنشودة عند الصوفية . 154 الغزالي يصور طريق الصوفية قائلا : ( وكان حاصل علمهم قطع عقبات النفس والتنزه عن أخلاقها المذمومة وصفاتها الخبيثة حتى يتوصل بها إلى تخلية القلب عن غير اللّه تعالى ، وتحليته بذكر اللّه ) 154 الغزالي يصف موقفه من علم الصوفية ، وعملهم قائلا : ( وكان العلم أيسر علىّ من العمل ، فابتدأت بتحصيل علومهم من مطالعة كتبهم ، مثل « قوت القلوب » لأبى طالب المكي ، رحمه اللّه وكتب « الحارث المحاسبي » والمتفرقات المأثورة عن « الجنيد » و « الشبلي » و « أبى يزيد البسطامي » وغير ذلك من كلام مشايخهم ، حتى اطلعت على كنه مقاصدهم العلمية ، وحصلت ما يمكن أن يحصل من طريقهم بالتعلم والسماع . وظهر لي أن أخص خواصهم ما لم يمكن الوصول إليه بالتعلم بل بالذوق والحال ، وتبدل الصفات . فكم من الفرق : بين أن يعلم حد الصحة ، وحد الشبع ، وأسبابهما وشروطهما . وبين أن يكون صحيحا وشبعان . وبين أن يعرف حد السكر ، وأنه عبارة عن حالة تحصل من استيلاء أبخرة تتصاعد من المعدة ، على معادن الفكر ، وبين أن يكون سكران . بل السكران لا يعرف حد السكر وأركانه وهو سكران ، وما معه من علمه شئ . والطيب في حالة المرض ، يعرف حد الصحة وأسبابها ، وأدويتها ، وهو فاقد الصحة
ميزان العمل — صفحة 447 | الغزالي / سليمان دنيا