العزم يوما . وأقدم فيه رجلا ، وأؤخر عنه أخرى ، لا يصفو لي رغبة في طلب الآخرة بكرة ، إلا ويحمل عليه جند الشهوة حملة ، فيفترها عشية .
فصارت شهوات الدنيا تتجاذبني سلاسلها إلى المقام ، ومنادى الإيمان ينادى الرحيل الرحيل فلم يبق من العمر إلا قليل ، وبين يديك السفر الطويل ، وجميع ما أنت فيه من العلم والعمل ، رياء وتخييل ، فإن لم تستعد الآن للآخرة فمثى تستعد ؟ وإن لم تقطع الآن فمتى تقطع ؟
فبعد ذلك تنبعث الداعية وينجزم العزم على الهرب والفرار ، ثم يعود الشيطان ويقول :
هذه حال عارضة ، وإياك أن تطاوعها فإنها سريعة الزوال ، وإن أذعنت لها ، وتركت هذا الجاه العريض ، والشأن المنظوم الخالي عن التكدير والتنغيص ، والأمر المسلم الصافي عن منازعة الخصوم ، ثم التفتت إليه نفسك ، فلا تتيسر لك المعاودة .
فلم أزل أتردد بين تجاذب شهوات الدنيا ودواعي الآخرة قريبا من ستة أشهر ، أولها رجب سنة ثمان وثمانين وأربعمائة .
وفي هذا الشهر جاوز الأمر حد الاختيار إلى الاضطرار ، إذ أقفل اللّه على لساني ، حتى اعتقل عن التدريس ، فكنت أجاهد نفسي أن أدرس يوما واحدا تطبيبا لقلوب المختلفة إلى ، وكان لا ينطق لساني بكلمة ، ولا أستطيعها البتة .
ثم أورثت هذه العقلة في اللسان حزنا في القلب ، بطل معه قوة الهضم ، وقرم الطعام والشراب ، فكان لا يستساغ لي شربة ولا تنهضم لقمة ، وتعدى إلى ضعف القوى ، حتى قطع الأطباء طمعهم في العلاج ، وقالوا :
هذا أمر نزل بالقلب ، وسرى إلى المزاج ، فلا سبيل إليه بالعلاج إلا بأن يتراوح السر عن الهم الملم .
ثم لما أحسست بعجزى وسقط بالكلية اختياري ، التجأت إلى اللّه تعالى الذي يجيب المضطر إذا دعاه ، وسهل على قلبي الإعراض عن الجاه ، والمال ، والأهل ، والولد ، والأصحاب وأظهرت عزم الخروج إلى مكة ، وأنا أورى في نفسي سفر الشام ، حذرا من أن يطلع الخليفة وجملة الأصحاب على عزمي في المقام بالشام ، فتلطفت بلطائف الحيل في الخروج من بغداد على عزم أن لا أعاودها أبدا ، واستهدفت لأئمة أهل العراق كافة ، إذ لم يكن فيهم من يجوز أن يكون الإعراض عما كنت فيه سببا دينيا ) . 157
الغزالي يصف علماء الدين في أوائل القرن الخامس الهجري ( وهذا لا شك أمر غريب أن يكون العلماء حتى في ذلك العهد المبكر في تاريخ الأمة الإسلامية - إذ كان ذلك في أوائل القرن الخامس عشر - يتحركون أكثر ما يتحركون ، بل كلما يتحركون ببواعث تتصل بالدنيا وعرضها الفاني .
وإذا كانوا هم لسان الدعوة إلى اللّه ، وإلى تنبيه الناس إلى أن تكون تحركاتهم للّه ، ومن أجل اللّه ، ثم لا يتحركون هم للّه ، ولا يجعلون بواعث تحركاتهم ، راجعة إلى اللّه ، وإلى طلب مرضاته ، بل لا يصدقون أن تكون تحركات غيرهم للّه . ومن أجل اللّه ، مع إمكان أن يجعل المرء تحركاته للّه ثم لا يفوت عليه ذلك كثيرا من لذائذ الدنيا ومتاعها ، فإن مرضاة اللّه ليس سبيلها هو عذاب النفس وإيلامها ، ولكن سبيلها وضع الأمور في مواضعها والسير على الصراط المستقيم الذي لا تفريط فيه ولا إفراط ) . 159
الغزالي يحمل علماء الدين مسؤولية فساد
ميزان العمل — صفحة 449
مساهمون: الغزالي
ص٤٤٩