ويسمعون منهم أصواتا ، ويقتسبون منهم فوائد ، ثم يترقى الحال ، من مشاهدة الصور والأمثال ، إلى درجة يضيق عنها نطاق النطق ، ولا يحاول معبر أن يعبر عنها إلا اشتمل لفظه على خطأ صريح لا يمكنه الاحتراز عنه .
وعلى الجملة : ينتهى الأمر إلى قرب يكاد يتخيل معه طائفة الحلول ، وطائفة الاتحاد ، وطائفة الوصول ، وكل ذلك خطأ وقد بينا وجه الخطأ فيه ، في كتاب « المقصد الأقصى » ، بل الذي لا بسته تلك الأحوال لا ينبغي أن يزيد على أن يقول :
فكان ما كان مما لست أذكره :
فظن خيرا ولا تسأل عن الخبر . 161
هكذا حط المسافر رحاله بعد طول تطواف ، وأنس بلقاء محبوبه بعد طول فراق وظفر بنوال مطلوبه بعد طول حرمان ؛ ووصل العاشق الولهان إلى منازل من أحب ، وتفتحت له أبوابها فلقى في رحابها من أحب وما أحب .
والفضل في ذلك كله بعد اللّه للتصوف والمتصوفة ، فبه وبهم عرف طريق النجاة ، وتخلص من بيداء الحيرة والشك وكم طرق من باب ، وكم سأل من عارف ، وكم قرأ من كتاب ، فلم يزدد إلا حيرة ، ولم يعرف للنجاة سبيلا إلا على أيدي المتصوفة وبوساطة المتصوفة .
فلا غرابة أن يقول الغزالي عن التصوف والمتصوفة ما قال ، وما أبدع ما قال ، ولا أحد يستطيع أن يقول فيه وفيهم خيرا مما قال .
ولا غرابة أن يصبح الغزالي مرجعا في التصوف ولا غرابة أن يقول الغزالي فيه فيحسن القول ، وأن يؤلف فيه فيحسن التأليف .
خير ما ألف الغزالي في التصوف كتاب الإحياء غير أنه موسوعة تعتبر مرجعا لا كتاب تحصيل .
أما كتاب ميزان العمل الذي أقدم بين يديه بهذه المقدمة فهو من أبدع ما ألف الغزالي وهو يمتاز عن كتاب الإحياء بأنه خلاصة وافية . وهو مع ذلك مختصر يمكن الإلمام به وتحصيله وتطبيقه . 162
مفاجأة .
قال الغزالي عن الفلاسفة في كتابه « تهافت الفلاسفة ( تكفيرهم لا بد منه في ثلاث مسائل :
مسألة قدم العالم .
وقولهم : إن اللّه تعالى لا يحيط علما بالجزئيات .
وإنكارهم بعث الأجساد وحشرها ) . 163
ثم قال الغزالي في « كتاب ميزان العمل » عن المتصوفة
( وفرقة ثالثة : ذهبوا إلى إنكار اللذة الحسية جملة بطريق الحقيقة والخيال ، وزعموا أن التخيل لا يحصل إلا بآلات جسمانية ، والموت يقطع العلاقة بين النفس والبدن الذي هو آلته في التخيل وسائر الإحساسات ولا يعود قط إلى تدبير البدن بعد أن أطرحه ، فلا يبقى له إلا آلام ولذات ليست حسية ، ولكنها أعظم من الحسية ؛ فإن الإنسان في هذا العالم أيضا ميله إلى اللذات العقلية ونفرته عن الآلام العقلية أشد ، ولذلك يكرهون في الطلب إراقة ماء الوجه ويؤثرون الاحتراز عن الافتضاح والاستتار في قضاء شهوة الفرج ، ومقاسات الآلام والمشقات ، بل قد يؤثر الإنسان ترك الطعام يوما أو يومين ليتوصل به إلى لذة الغلبة في الشطرنج مع حسيته ،
ميزان العمل — صفحة 451
مساهمون: الغزالي
ص٤٥١