الإمام . وإلى أن يقطع المسافة ويرجع يكون المستفتى قد مات ، وفات الانتفاع بالرجوع .
فمن أشكلت عليه القبلة ، ليس له طريق إلا أن يصلى بالاجتهاد ؛ إذ لو سافر إلى بلدة الإمام لمعرفة القبلة ، لفات وقت الصلاة .
فإن جازت الصلاة إلى غير القبلة ، بناء على الظن ، ويقال : إن المخطىء في الاجتهاد له أجر واحد ، وللمصيب أجران ، فكذلك في جميع المجتهدات .
وكذلك أمر صرف الزكاة إلى الفقير وربما يظنه فقيرا باجتهاده ، وهو غنى باطنا بإخفاء حاله ، ولا يكون مؤاخذا به وإن أخطأ ؛ لأنه لم يؤخذ إلا بموجب ظنه .
فإن قال : ظن مخالفه كظنه .
فنقول : وهو مأمور باتباع ظن نفسه ، كالمجتهد في القبلة يتبع ظن نفسه ، وإن خالفه غيره .
وإن قال : فالمقلد يتبع أبا حنيفة والشافعي رحمهما اللّه ؟ أو غيرهما ؟
فأقول : والمقلد في القبلة عند الاشتباه إذا اختلف عليه المجتهدون ، كيف يصنع ؟
فيقول : له في نفسه اجتهاد في معرفته الأفضل الأعلم بدلائل القبلة ، فيتبع ذلك الاجتهاد .
فكذلك في المذهب ، فيرد الخلق إلى الاجتهاد ضرورة أن الأنبياء والأئمة مع العلم قد يخطئون بل قال رسول اللّه عليه السّلام :
« أنا أحكم بالظاهر ، واللّه يتولى السرائر » أي أنا أحكم بغالب الظن الحاصل من قول الشهود ، وربما أخطأوا فيه ، ولا سبيل إلى الأمن من الخطأ للأنبياء في مثل هذه المجتهدات ، فكيف يطمع في ذلك ؟ » للتعليمية إشكالان : 150
أحدهما : ( قولهم : هذا وإن صح في المجتهدات فلا يصح في قواعد العقائد ؛ إذ المخطىء فيه غير معذور ، فكيف السبيل إليه ؟
فأقول : قواعد العقائد يشتمل عليها الكتاب والسنة ، وما وراء ذلك من التفصيل المتنازع فيه ، يعرف الحق فيه بالوزن بالقسطاس المستقيم ، وهي الموازين التي ذكرها اللّه تعالى في كتابه ، وهي خمسة ذكرتها في كتاب القسطاس المستقيم .
فإن قال : خصومك يخالفونك في ذلك الميزان .
فأقول لا يتصور أن يفهم ذلك الميزان ، ثم يخالف فيه ؛ إذ لا يخالف فيه أهل التعليم لأنى استخرجته من القرآن ، وتعلمته منه .
ولا يخالف فيه أهل المنطق ؟ لأنه موافق لما شرطوه في المنطق غير مخالف له .
ولا يخالف فيه المتكلم ؛ لأنه موافق لما يذكره في أدلة النظريات ، وبه يعرف الحق في النظريات .
فإن قال : فإن كان في يدك مثل هذا الميزان ، فلم لا ترفع الخلاف بين الخلق ؟
فأقول : لو أصغوا إلىّ لرفعت الخلاف بينهم ، وذكرت طريق رفع الخلاف في كتاب « القسطاس المستقيم » فتأمله لتعلم أنه حق ، وأنه يرفع الخلاف قطعا ، لو أصغوا ، ولا يصغون بأجمعهم ، بل قد أصغى إلىّ طائفة ، فرفعت الخلاف بينهم .
وإمامك يريد رفع الخلاف بينهم مع عدم إصغائهم ، فلم لم يرفع إلى الآن ؟
ولم لم يرفع علىّ رضى اللّه عنه ، وهو رأس الأئمة ، الخلاف ؟
أو يدّعى أنه يقدر على حمل كافتهم على الإصغاء قهرا ؟ فلم لم يحملهم إلى الآن ؟
ولأي يوم أجله ؟ وهل حصل بين الخلق بسبب دعوته إلا زيادة الخلاف وزيادة مخالف ؟
نعم كان يخشى من الخلاف نوع من
ميزان العمل — صفحة 445
مساهمون: الغزالي
ص٤٤٥