عن نصرة مذهبهم بمثل هذه الشبهات لولا تحقيقك لها وترتيبك إياها .
وهذا الإنكار من وجه حق ، فلقد أنكر « أحمد بن حنبل » على « الحارث المحاسبي » تصنيفه في الرد على المعتزلة .
فقال الحارث : الرد على البدعة فرض .
فقال أحمد : نعم ، ولكن حكيت شبهتهم أولا ، تم أجبت عنها ، فلم تأمن أن يطالع الشبهة من تعلق ذلك بفهمه ، ولا يلتفت إلى الجواب ، أو ينظر إلى الجواب ولا يفهم كنهه .
وما ذكره أحمد حق ، ولكن في شبهة لم تنتشر ولم تشتهر . أما إذا انتشرت فالجواب عنها واجب ، ولا يمكن الجواب إلا بعد الحكاية .
نعم ينبغي أن لا تتكلف لهم شبهة لم ترد ، ولم أتكلف أنا ذلك ، بل كنت قد سمعت تلك الشبهة ، من واحد من أصحابي المختلفين إلىّ ، بعد أن كان قد التحق بهم وانتحل مذهبهم ، وحكى أنهم يضحكون على تصانيف المصنفين في الرد عليهم ؛ فإنهم لم يفهموا بعد حجتهم ، وذكر تلك الحجة وحكاها عنهم .
فلم أرض لنفسي أن يظن بي غفلة عن أصل حجتهم ؛ فلذلك أوردتها ولا أن يظن بي أنى وإن سمعتها فلم أفهمها فلذلك قررتها ) 148 الغزالي يصور حقيقة مذهب التعليمية ويرد عليه فيقول :
( والحاصل : أنه لا حاصل عند هؤلاء ، ولا طائل لكلامهم . وقولا سوء نصرة الصديق الجاهل لما انتهت تلك البدعة مع ضعفها إلى هذه الدرجة .
ولكن شدة التعصب دعت الذابين عن الحق إلى تطويل النزاع معهم في مقدمات كلامهم ، وإلى مجاحدتهم في كل ما نطقوا به . فجاحدوهم في دعواهم الحاجة إلى التعليم وإلى المعلم ودعواهم أنه لا يصلح كل معلم ، بل لا بد من معلم معصوم .
وظهرت حجتهم في إظهار الحاجة إلى التعليم ، وإلى المعلم ، وضعف قول المنكرين في مقابلته .
فاغتر بذلك جماعة ، وظنوا أن ذلك من قوة مذهبهم ، وضعف مذهب المخالفين له ، ولم يفهموا أن ذلك لضعف ناصر الحق وجهله بطريقه .
بل الصواب الاعتراف بالحاجة إلى معلم .
وأنه لا بد أن يكون المعلم معصوما ولكن معلنا المعصوم هو محمد عليه السّلام .
فإذا قالوا : هو ميت ، فنقول : ومعلمكم غائب فإذا قالوا : معلمنا قد علم الدعاة ، وبثهم في البلاد ، وهو ينتظر مراجعتهم إن اختلفوا أو أشكل عليهم مشكل .
فنقول : ومعلمنا قد علم الدعاة وبثهم في البلاد ، وأكمل التعليم ، إذ قال اللّه تعالى
( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً )
وبعد كمال التعليم لا يضر موت المعلم كما لا يضر غيبته .
يبقى قولهم : كيف يحكمون فيما لم يسمعوه ؟
أفبالنص ؟ ولم يسمعوه ؟ أم بالاجتهاد والرأي ؟
وهو مظنة الخلاف !
فنقول : نفعل ما فعله معاذ ؛ إذ بعثه رسول اللّه عليه السلام إلى اليمن . أو نحكم بالنص عند وجوده ، وبالاجتهاد عند عدمه .
بل كما يفعله دعاتهم إذا بعدوا عن الإمام إلى أقاصي الشرق ؛ إذ لا يمكنهم أن يحكموا بالنص ؛ فإن النصوص متناهية .
لا تستوعب الوقائع غير المتناهية .
ولا يمكنه الرجوع في كل واقعة إلى بلدة