تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ميزان العمل — صفحة 442

مساهمون:

ص٤٤٢
والعاقل يقتدى بسيد العقلاء ، علىّ رضى اللّه تعالى عنه حيث قال : « لا تعرف الحق بالرجال . اعرف الحق تعرف أهله » . فالعاقل يعرف الحق ، ثم ينظر في نفس القول ، فإن كان حقا قبله ، سواء كان قائله مبطلا أو محقا . بل ربما يحرص على انتزاع الحق من أقاويل أهل الضلال ، عالما بأن معدن الذهب الرغام . ولا بأس على الصراف إن أدخل يده في كيس القلاب وانتزع الإبريز الخالص من الزيف والبهرج مهما كان واثقا ببصيرته . فإنما يزجر عن معاملة القلاب القروي دون الصيرفي البصير . ويمنع من ساحل البحر ، الأخرق ، دون السباح الحاذق ، ويصد عن مس الحية الصبى دون المعزم البارع . ولعمري لما غلب على أكثر الخلق ظنهم بأنفسهم الحذاقة والبراعة ، وكمال العقل ، في تمييز الحق عن الباطل ، والهدى عن الضلالة ، وجب حسم الباب في زجر الكافة عن مطالعة كتب أهل الضلالة ما أمكن ، إذ لا يسلمون عن الآفة الثانية التي سنذكرها ، وإن سلموا عن هذه الآفة التي ذكرناها 143 الغزالي يرد على من اعترض عليه فيقول ( ولقد اعترض على بعض الكلمات المبثوثة في تصانيفنا في أسرار علوم الدين طائفة من الذين لم تستحكم في العلوم سرائرهم ولم تتفتح إلى أقصى غايات المذاهب بصائرهم . 144 وزعمت أن تلك الكلمات من كلام الأوائل ، مع أن بعضها من مولدات الخاطر ولا يبعد أن يقع الحافر على الحافر . وبعضها يوجد في الكتب الشرعية ، وأكثرها موجود معناه في كتب الصوفية وهب أنها لم توجد إلا في كتبهم ؛ فإذا كان ذلك الكلام معقولا في نفسه مؤيدا بالبرهان ولم يكن على مخالفة الكتاب والسنة فلم ينبغي أن يهجر وينكر ؟ فلو فتحنا هذا الباب وتطرقنا إلى أن يهجر كل حق سبق إليه خاطر مبطل ، للزمنا أن نهجر كثيرا من الحق ، ولزمنا أن نهجر جملة من آيات القرآن ، وأخبار الرسول ، وحكايات السلف ، وكلمات الحكماء والصوفية لأن صاحب كتاب « إخوان الصفا » أوردها في كتابه مستشهدا بها ومستدرجا قلوب الحمقى بواسطتها إلى باطله . ويتداعى ذلك إلى أن يستخرج المبطلون الحق من أيدينا بإيداعهم إياه كتبهم . وأقل درجة العالم أن يتميز عن العامي الغمر ، فلا يعاف العسل وإن وجده في محجمة الحجام ، ويتحقق أن المحجمة لا تغير ذات العسل ، وإن نفرة الطبع منه مبنى على جهل عامي ، منشؤه أن المحجمة إنما صنعت للدم المستقذر فيظن بأن الدم مستقذر لكونه في المحجمة ، ولا يدرى أنه مستقذر بصفة في ذاته فإذا عدمت هذه الصفة في العسل ، فكونه في ظرفه لا يكسبه تلك الصفة فلا ينبغي أن يوجب له الاستقذار . وهذا وهم باطل وهو غالب على أكثر الخلق ، فمهما نسبت الكلام وأسندته إلى قائل حسن فيه اعتقادهم قبلوه وإن كان باطلا . وإن أسندته إلى من ساء فيه اعتقادهم ردوه ، وإن كان حقا . فأبدا يعرفون الحق بالرجال . ولا يعرفون الرجال بالحق . وهو غاية الضلال ، هذه آفة الرد . 143