الآفة الثانية من آفتى مزج كلام الصوفية بكلام الفلاسفة هي آفة القبول ، ويشرحها الغزالي قائلا ( إن من نظر في كتبهم كإخوان الصفا وغيره ، فرأى ما مزجوه بكلامهم من الحكم النبوية ، والكلمات الصوفية ربما استحسنها وقبلها ، وحسن اعتقاده فيها ، فيسارع إلى قبول باطلهم الممزوج به ، بحسن ظن حصل مما رآه واستحسنه . 145
وذلك نوع استدراج إلى الباطل ولأجل هذه الآفة يجب الزجر عن مطالعة كتبهم لما فيها من الضرر والخطر .
وكما يجب صون من لا يحسن السباحة عن مزالق الشطوط ، يجب صون الخلق عن مطالعة تلك الكتب ، وكما يجب صون الصبيان عن مس الحيات يجب صون الأسماع عن مختلط تلك الكلمات .
وكما يجب على المعزم أن لا يمس الحية بين يدي ولده الطفل إذا علم أنه سيقتدى به ويظن أنه مثله .
بل يجب عليه أن يحذره منه ، بأن يحذر هو في نفسه بين يديه .
فكذلك يجب على العالم الراسخ مثله . وكما أن المعزم الحاذق إذا أخذ الحية وميز بين الترياق والسم فاستخرج منه الترياق وأبطل السم ، فليس له أن يشح بالترياق على المحتاج إليه .
وكذلك الصراف الناقد البصير إذا أدخل يده في كيس القلاب ، وأخرج منه الإبريز الخالص ، وأطرح الزيف والبهرج ، فليس له أن يشح بالجيد المرضى على من يحتاج إليه ، كذلك العالم .
وكما أن المحتاج إلى الترياق إذا اشمأزت نفسه عنه ، حيث علم أنه مستخرج من الحية التي هي مركز السم .
والفقير المضطر إلى المال ، إذا نفر عن قبول الذهب المستخرج من كيس القلاب وجب تنبيهه على أن نفرته جهل محض هو سبب حرمانه من الفائدة التي هي مطلبه ، ويتحتم تعريفه أن قرب الجوار بين الزيف والجيد لا يحيل الجيد زيفا ، كما لا يحيل الزيف جيدا .
فكذلك قرب الجوار بين الحق والباطل لا يجعل الباطل حقا .
كما لا يحيل الحق باطلا ) . 147
الغزالي يبحث عن الحقيقة عند أهل التعليم . 147
الغزالي يبين قيمة العقل ويقول :
( ثم إني لما فرغت من علم الفلسفة وتحصيله وتفهيمه وتزييف ما يزيف منه ، علمت أن ذلك أيضا غير واف بكمال الغرض ، وأن العقل ليس مستقلا بالإحاطة بجميع المطالب ولا كاشفا للغطاء عن جميع المعضلات .
الغزالي يبين طريق العلم بالحقائق الدينية من وجهة نظر « التعليمية » فيقول : 147
( ولما كان قد نبتت نابتة التعليمية ، وشاع بين الخلق تحديهم بمعرفة معنى الأمور من جهة الإمام المعصوم القائم بالحق ، عن لي أن أبحث عن مقالتهم لأطلع على ما في كتبهم ) .
الغزالي يدرس منهج التعليمية فيقول : 147 ( فابتدأت بطلب كتبهم وجمع مقالاتهم وكان قد بلغني بعض كلماتهم المستحدثة التي ولدتها خواطر أهل العصر ، لا على المنهاج المعهود من سلفهم ، فجمعت تلك الكلمات ورتبتها ترتيبا محكما ، مقارنا للتحقيق ، واستوفيت الجواب عنها حتى أنكر أهل الحق منى مبالغتى في تقرير حجتهم وقال :
« هذا سعى لهم ، فإنهم كانوا يعجزون
ميزان العمل — صفحة 443
مساهمون: الغزالي
ص٤٤٣