أجزاء له مدة غمره ، وجب من ذلك أن يكون جسد واحد بعينه يبعث يدا ورأسا وكبدا وقلبا .
وذلك لا يصح لأن الثابت أن الأجزاء العضوية دائما ينتقل بعضها إلى بعض في الاغتذاء ويتغذى بعضها من فضل غذاء البعض .
ووجب أن يكون الإنسان المغتذى من الإنسان في البلاد التي يحكى أن غذاء الناس فيها الناس ، إذا نشأ من الغذاء الإنسانى أن لا يبعث ؛ لأن جوهره من أجزاء جوهر غيره .
وتلك الأجزاء تبعث في غيره . أو يبعث هو . ويضيع أجزاء غيره فلا يبعث .
وإن قالوا : إن المبعوث من أجزائه أجزاؤه التي تصلح بها حياته ، فلا خلاص فيه ؛ لأنها قد تربت وتساوت في استحقاق أن يكون بعضها مقوما للحياة وبعضها نافعا غير مقوم ، وصار البعث عن ذلك التراب وعن تراب غيره سواء . لا فرق فيه ، فقد رفعوا حكم العدل الذي يراعونه في بعث أعضاء البدن .
إلا أن يجعلوا للأحزاء المخصوصة بالبعث خصوصية معنى زائد عنها . وهو أنها في حال الحياة الأولى كانت مادة للأجزاء المقومة للحياة ، فيكون القول بذلك هو التحكم الذي لا فائدة فيه ، ولا جدوى بوجه من الوجوه .
أعنى تخصيص بعض أجزاء الأعضاء المتشابهة بالبعث دون بعض ، هو القول بتصيير عدم معنى كان سببا في استحقاق شئ لمعنى دون غيره ، وحال العدم الكائن والممكن الكون الغير الكائن في المادة القابلة لهما ، واحدة .
وأنت إذا تأملت وتدبرت ظهر لك أن الغالب على ظاهر التربة المعمورة جثث الموتى المتربة . وقد حرث فيها وزرع وتكون منها الأغذية وتغذى بالأغذية جثث أخرى .
فأنى يمكن بعث مادة كانت لصورتى إنسانين في وقتين لهما جميعا في وقت واحد بلا قسمة ؟
فإن قال قائل : إنه يبعث للنفس بدن من أي تراب ، وأي هواء ، وماء ، ونار ، اتفق ، وليس من شرطه أن تكون الاسطقسات الموجودة في الحياة الأولى بعينها ،
فهو بعينه القول بالتناسخ الصراح ]
ابن سينا في النص السابق ينكر البعث 140 الجسماني في صراحة ، ولكنه في الشفاء يعترف به صراحة ، فهل هو متناقض ؟
ابن سينا يحل هذا التعارض بما جاء 140 في كتابه « منطق المشرقين » إذ يقول فيه :
( ما جمعنا هذا الكتاب لنظهره إلا لأنفسنا - أعنى الذين يقومون منا مقام أنفسنا . -
وأما العامة من مزاولي هذا الشأن فقد أعطيناهم في كتاب الشفاء ما هو كثير لهم وفوق حاجتهم ] .
ويحله أيضا ما جاء في كتاب « الشفاء » 141 من قوله : ( فإن غرضنا في هذا الكتاب أن نودعه لباب ما تحققناه من الأصول في العلوم الفلسفية المنسوبة إلى الأوائل ، ثم رأيت أن أتلو هذا الكتاب بكتاب آخر اسمه « اللواحق » ولى كتاب غير هذين الكتابين أوردت فيه الفلسفة على ما هي عليه في الطبع ، وعلى ما يوجبه الرأي الصريح الذي لا يراعى فيه جانب الشركاء في الصناعة ولا يتقى فيه جانب الشركاء في الصناعة ، ولا يتقى فيه من شق عصاهم ما يتقى في غيره وهو كتابي في « الفلسفة المشرقية »
وأما هذا الكتاب فأكثر بسطا وأشد مع
ميزان العمل — صفحة 440
مساهمون: الغزالي
ص٤٤٠