وهو بعينه عند الوجود علم بأنه كائن .
وهو بعينه بعد الانجلاء علم بالانقضاء .
وأن هذه الاختلافات ترجع إلى إضافات لا توجب تبدلا في ذات العلم فلا توجب تغيرا في ذات العالم ؛ فإن ذلك ينزل منزلة الإضافة المحضة ؛ فإن الشخص الواحد يكون عن يمينك ثم يرجع إلى قدامك ثم إلى شمالك ، فتتغير عليك الإضافات والمتغير ذلك الشخص المنتقل دونك .
وهكذا ينبغي أن يفهم الحال في علم اللّه عز وجل ؛ فإنا نسلم أنه يعلم الأشياء بعلم واحد في الأزل والأبد والحال لا يتغير .
وغرضهم نفى التغير ، وهو متفق عليه .
وقولهم : من ضرورة إثبات العلم :
بالكون الآن .
والانقضاء بعده .
تغير .
فليس بمسلم ، فمن أين عرفوا ذلك ؟
فلو خلق اللّه لنا علما بقدوم زيد غدا ، عند طلوع الشمس ، وأدام ذلك العلم ، ولم يخلق لنا علما آخر ، ولا غفلة عن هذا العلم ، لكنا :
عند طلوع الشمس عالمين - بمجرد العلم السابق - بقدومه الآن .
وبعده بأنه قد قدم من قبل .
وكان ذلك العلم الواحد الباقي كافيا في الإحاطة بهذه الأحوال .
* * * فيبقى قولهم : إن الإضافة إلى المعلوم المعين داخلة في حقيقته . ومهما اختلفت الإضافة اختلف الشئ الذي الإضافة ذاتية له .
ومهما حصل الاختلاف والتعاقب فقد حصل التغير .
فنقول : إن صح هذا فاسلكوا مسلك إخوانكم من الفلاسفة حيث قالوا :
إنه لا يعلم إلا نفسه ، وإن علمه بذاته عين ذاته .
لأنه لو علم :
الإنسان المطلق ، والحيوان المطلق ، والجماد المطلق .
وهذه مختلفات لا محالة .
فلا يصح العلم الواحد لأن يكون علما بالمختلفات .
لأن المضاف مختلف .
والإضافة مختلفة .
والإضافة إلى المعلوم ذاتية للعلم .
فيوجب ذلك تعددا ، لا تعددا فقط مع التماثل ؛ إذ المتماثلات ما يسد بعضها مسد بعض .
والعلم بالحيوان لا يسد مسد العلم بالجماد .
والعلم بالبياض لا يسد مسد العلم بالسواد فهي مختلفات .
ثم إن هذه الأنواع والأجناس والعوارض الكلية لا نهاية لها ، وهي مختلفة ، والعلوم المختلفة كيف تنطوى تحت علم واحد ؟
ثم ذلك العلم هو ذات العالم من غير مزيد عليه .
وليت شعري ؟ كيف يستجيز العاقل من نفسه أن يحيل الاتحاد بالعلم بالشئ الواحد المنقسمة أحواله إلى الماضي والمستقبل والآن .
وهو لا يحيل الاتحاد في العلم المتعلق بجميع الأنواع والأجناس المختلفة ، والاختلاف والتباعد بين الأجناس والأنواع المتباينة أشد من الاختلاف الواقع بين أحوال الشئ الواحد المنقسم بانقسام الزمان ؟
وإذا لم يوجب ذلك تعددا واختلافا فكيف
ميزان العمل — صفحة 433
مساهمون: الغزالي
ص٤٣٣