تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ميزان العمل — صفحة 430

مساهمون:

ص٤٣٠
في الأدلة . وإنما يفارقونهم بالعبارات والاصطلاحات وبزيادة الاستقصاء في التعريفات والتشعيبات . ومثال كلامهم فيها : إذا ثبت أن كل ( ا ) ( ب ) لزم أن بعض ( ب ) ( ا ) أي إذا ثبت أن كل إنسان حيوان لزم أن بعض الحيوان إنسان ويعبرون عن هذا بأن الموجبة الكلية تنعكس موجبة جزئية . وأي تعلق لهذا بمهمات الدين حتى يجحد وينكر ؟ فإذا أنكره منكر باسم الدين لم يحصل من إنكاره عند أهل المنطق إلا سوء الاعتقاد في عقل المنكر ، أو في دينه الذي يدعى أنه إنما أقدم على هذا الانكار باسمه . 70 الفلاسفة يدعون للبرهان شروطا لا شك في أنها تورث اليقين . لكنهم حين يستعملون البرهان في قضايا الدين لا يستطيعون الوفاء بهذه الشروط ، فيتساهلون غاية التساهل ، ثم يتشبثون بما ينتهون إليه من نتائج 71 من أخطار المنطق في نظر الغزالي : أن من ينظر فيه ويتبين دقته وإحكامه يظن أن كل علومهم موزونة بميزانه ، فيتلقى أفكارهم بثقة واطمئنان . والمخلص من هذه الآفة هو تبيان أن الفلاسفة لم يطبقوا المنطق بدقة في أمور الدين ، لا التنفير من المنطق . فالعلم دائما هو السبيل إلى الحق ، فبالعلم نعلم أن الفلاسفة عجزوا عن أن يطبقوا المنطق بدقة في أمور الدين . فنسحب الثقة منهم في أمور الدين ونعطيها للوحي لأنه المصدر الموثوق به في هذا الشأن . أما الدعوة إلى الجهل بالمنطق لأن العلم به يورث الثقة بالفلاسفة ، والثقة بعلومهم ، فقد تؤدى إلى رد فعل عكسي ، حيث يظن أن الدين لا يقام إلا على الجهل وأنه عدو للعلم . 71 الفلاسفة اتفقوا في العلوم الرياضية واختلفوا في العلوم الدينية وذلك أمارة على أنهم : لم يستطيعوا أن يطبقوا المنطق في شؤون الدين كما طبقوه في الرياضة . وعلى أن معارفهم الدينية ليس لها عندهم وثاقة العلوم الرياضية . 72 الغزالي يقول ( لو كانت علوم الفلاسفة الإلهية متقنة البراهين نقية عن التخمين ، كعلومهم الحسابية لما اختلفوا فيها كما لم يختلفوا في الحسابية ) 73 علوم الفلاسفة الطبيعية يعرفها الغزالي بقوله ( هي بحث عن أجسام العالم : السماوات وكواكبها ، وما تحتها . من الأجسام المفردة ، كالماء ، والهواء والتراب ، والنار . ومن الأجسام المركبة : كالحيوان ، والنبات ، والمعادن . وعن أسباب تغيرها ، واستحالتها ، وامتزاجها . وذلك يضاهى بحث الطبيب عن جسم الإنسان وأعضائه الرئيسية والخادمة وأسباب استحالة مزاجه ) 73 الغزالي يحدد العلاقة بين الدين والعلوم الطبيعية فيقول : ( وكما ليس من شرط الدين إنكار علم الطبيب ، فليس من شرطه أيضا إنكار ذلك العلم إلا في مسائل معينة ذكرناها في كتاب « تهافت الفلاسفة » . وما عداها مما يجب المخالفة فيها فعند التأمل يتبين أنها مندرجة تحتها وأصل جملتها أن يعلم أن الطبيعة مسخرة للّه تعالى