في الأدلة . وإنما يفارقونهم بالعبارات والاصطلاحات وبزيادة الاستقصاء في التعريفات والتشعيبات .
ومثال كلامهم فيها :
إذا ثبت أن كل ( ا ) ( ب ) لزم أن بعض ( ب ) ( ا ) أي إذا ثبت أن كل إنسان حيوان لزم أن بعض الحيوان إنسان ويعبرون عن هذا بأن الموجبة الكلية تنعكس موجبة جزئية .
وأي تعلق لهذا بمهمات الدين حتى يجحد وينكر ؟
فإذا أنكره منكر باسم الدين لم يحصل من إنكاره عند أهل المنطق إلا سوء الاعتقاد في عقل المنكر ، أو في دينه الذي يدعى أنه إنما أقدم على هذا الانكار باسمه . 70
الفلاسفة يدعون للبرهان شروطا لا شك في أنها تورث اليقين . لكنهم حين يستعملون البرهان في قضايا الدين لا يستطيعون الوفاء بهذه الشروط ، فيتساهلون غاية التساهل ، ثم يتشبثون بما ينتهون إليه من نتائج 71
من أخطار المنطق في نظر الغزالي : أن من ينظر فيه ويتبين دقته وإحكامه يظن أن كل علومهم موزونة بميزانه ، فيتلقى أفكارهم بثقة واطمئنان .
والمخلص من هذه الآفة هو تبيان أن الفلاسفة لم يطبقوا المنطق بدقة في أمور الدين ، لا التنفير من المنطق . فالعلم دائما هو السبيل إلى الحق ، فبالعلم نعلم أن الفلاسفة عجزوا عن أن يطبقوا المنطق بدقة في أمور الدين . فنسحب الثقة منهم في أمور الدين ونعطيها للوحي لأنه المصدر الموثوق به في هذا الشأن .
أما الدعوة إلى الجهل بالمنطق لأن العلم به يورث الثقة بالفلاسفة ، والثقة بعلومهم ، فقد تؤدى إلى رد فعل عكسي ، حيث يظن أن الدين لا يقام إلا على الجهل وأنه عدو للعلم . 71
الفلاسفة اتفقوا في العلوم الرياضية واختلفوا في العلوم الدينية وذلك أمارة على أنهم :
لم يستطيعوا أن يطبقوا المنطق في شؤون الدين كما طبقوه في الرياضة .
وعلى أن معارفهم الدينية ليس لها عندهم وثاقة العلوم الرياضية . 72
الغزالي يقول ( لو كانت علوم الفلاسفة الإلهية متقنة البراهين نقية عن التخمين ، كعلومهم الحسابية لما اختلفوا فيها كما لم يختلفوا في الحسابية ) 73
علوم الفلاسفة الطبيعية يعرفها الغزالي بقوله ( هي بحث عن أجسام العالم :
السماوات وكواكبها ، وما تحتها .
من الأجسام المفردة ، كالماء ، والهواء والتراب ، والنار .
ومن الأجسام المركبة : كالحيوان ، والنبات ، والمعادن .
وعن أسباب تغيرها ، واستحالتها ، وامتزاجها .
وذلك يضاهى بحث الطبيب عن جسم الإنسان وأعضائه الرئيسية والخادمة وأسباب استحالة مزاجه ) 73
الغزالي يحدد العلاقة بين الدين والعلوم الطبيعية فيقول :
( وكما ليس من شرط الدين إنكار علم الطبيب ، فليس من شرطه أيضا إنكار ذلك العلم إلا في مسائل معينة ذكرناها في كتاب « تهافت الفلاسفة » .
وما عداها مما يجب المخالفة فيها فعند التأمل يتبين أنها مندرجة تحتها وأصل جملتها أن يعلم أن الطبيعة مسخرة للّه تعالى
ميزان العمل — صفحة 430
مساهمون: الغزالي
ص٤٣٠