تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ميزان العمل — صفحة 428

مساهمون:

ص٤٢٨
الجمهور كافة . ب - ويقول ( لعمري لو كلف اللّه رسولا من الرسل أن يلقى حقائق هذه الأمور إلى الجمهور من العامة الغليظة طباعهم ، المتعلقة بالمحسوسات الصرفة أوهامهم . . . ثم سامه أن يتولى رياضة نفوس الناس قاطبة حتى تستعد للوقوف عليها ، لكلفه شططا وأن يفعل ما ليس في قوة البشر ) ح - ويقول ( فظاهر من هذا كله أن الشرائع واردة لخطاب الجمهور بما يفهمون مقربا ما لا يفهمون إلى إفهامهم بالتشبيه والتمثيل ) 67 لست أظن أن في الأمر ضرورة تصل بالمشرع الحكيم إلى أن يضطر إلى سلوك أحد الأمرين التاليين : 1 - أن يكلف رسوله شططا ويفعل ما ليس في قوة البشر . 2 - أو أن يستعمل التشبيه والتمثيل مستعينا به على تفهيمهم ما لا سبيل لهم إلى فهمه على حقيقته . إن المشرع الحكيم أسمى من أن يقف موقف التورط بين خلقه وتشريعه - كما أراد ابن سينا أن يفهم - إذ كان في وسعه أن يرفع مستوى عباده الفكري إلى حيث يفهمون الحق في غير لبس ولا غموض ، أو أن يزيد في البيان والإيضاح حتى يتأتى لهم فهم ما لا بد لهم من فهمه . 67 النتيجة الحتمية لما يقوله ابن سينا أنه لو تعارضت آراء الفلاسفة مع قضايا الدين فآراء الفلاسفة هي الجديرة بالقبول لأنها - من وجهة نظر الفلاسفة - هي التي تشرح حقائق الأمور شرحا مطابقا لما عليه هذه الحقائق في نفس الأمر 68 الغزالي ينكر على الفلاسفة بشدة هذا الموقف ، ونحن ننكره عليهم معه ، وينكره معنا كل من يعرف للدين قدسيته وللأنبياء حرمتهم فإن الباب الذي يفتحه الفلاسفة لو عرفه الناس لادعى كل أنه قادر على ولوجه فينخلع الناس من الدين وينحل عنهم رباطه . 68 ليس في وسعنا أن نوافق الغزالي على قوله ( فهذه آفة عظيمة لأجلها يجب زجر كل من يخوض في تلك العلوم ) يعنى علوم الرياضة . نعم ليس في وسع أحد - لا باسم الدين ولا باسم غيره - أن يمنع الناس من الاشتغال بالعلوم الرياضية . إنما الواجب أن نرفع عن أعين الناس غشاوة الجهل ليعرفوا أن الفلاسفة مبرزون في علوم الدنيا وأما علوم الدين فمصدرها الوحي ، والعقل وظيفته التلقي وكفاه شرفا وفخرا أن يشترط الدين في صدق قضاياه أن تكون متفقة مع العقل ، أي تكون واقعة في دائرة الممكنات 68 الآفة الثانية من آفتى علوم الرياضة يصورها الغزالي بما يلي ( نشأت من صديق للإسلام جاهل ، ظن أن الدين ينبغي أن ينصر بإنكار كل منسوب إليهم فأنكر جميع علومهم وادعى جهلهم فيها حتى أنكر قولهم في الخسوف والكسوف وزعم أن ما قالوه هو على خلاف الشرع . فلما قرع ذلك سمع من عرف ذلك بالبرهان القاطع لم يشك في برهانه لكن اعتقد أن الإسلام بنى على الجهل وإنكار البرهان القاطع فيزداد للفلسفة حبا ، وللإسلام بغضا . ولقد عظمت جنايته على الدين من ظن أن الإسلام ينصر بإنكار هذه العلوم . وليس في الشرع تعرض لهذه العلوم بالنفي أو الإثبات . ولا في هذه العلوم تعرض للعلوم