تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ميزان العمل — صفحة 387

مساهمون:

ص٣٨٧
العامي بالكامل في تناول الدنيا . وإذا تؤمل ملك سليمان وما أوتى ، مع رتبة النبوة ، علم أن الزهد زهد النفس ، لا خلو اليد ، وكيف تضر الدنيا بالأنبياء والأولياء ؟ وهم يعرفون ضرها ونفعها ، ورتبتها في الوجود ، ويعلمون أن للإنسان في وجوده ثلاث منازل : منزلة في بطن أمه . ومنزلة في فضاء العالم . ومنزلة بعد الموت . والدنيا في مثال رباط بنى ، وينتهى إليه المسافر في المنزل الأوسط . وقد هيئت فيه أسباب وأوان وأقوات ، ليستعين بها المسافر وينتفع بها انتفاعه بالعارية والمنحة ، ويخليها لمن يلتحق بعده ، فيأخذها بشكر ، ويتركها بانشراح صدر . وقد انتهى إلى الرباط جماعة من الحمقى فظنوا أن هذا المنزل وطن ، وأن هذه الأسباب ليست عارية ، وإنما هي موهبة مؤبدة ، فصاروا لا يخرجونها من أيديهم إلا بكسر اليد ونزع الروح . وقيل : إن مثل الناس فيما أعطوا من الدنيا كمثل رجل هيأ دارا ، وهو يدعو أقواما إلى داره على الترتيب واحدا بعد واحد ، فأدخل واحدا داره ، فقدم إليه طبق ذهب عليه بخور ورياحين ليشمه ويتركه لمن يلحقه لا ليتملكه ، فجهل رسمه ، فظن أنه وهب له ، فلما استرجع منه ضجر وتفجع ، ومن كان عالما برسمه انتفع به وشكره ورده بانشراح صدر . فهذه وظائف المباشرة لأموال الدنيا .