ولو فكر العاشق في منتهى حسن الذي يعشقه لم يعشقه ، إذ يعلم أن الدنيا حمالة المصائب كدرة المشارب تورث للبرية أنواع البلية مع كل لقمة غضة ، فما أحد فيها إلا وهو في كل حال غرض لأسهم ثلاثة :
سهم نقمة .
وسهم رزية .
وسهم منية .
تناضله الأوقات من كل جانب * فتخطئه طورا ، وطورا تصيبه
فمن كان معتبرا بما يتجدد كل يوم من ارتجاع النعم من أربابها ، وحلول القوارع بأصحابها ، وشدة اغتمامهم بفقدها ، لم يأسف على فواتها :
ولذلك قيل لبعضهم :
[ لم لا تغتم ؟ ] .
فقال :
[ لأنى لا أقتنى ما يغمنى فقده ] .
ومهما أمعن الإنسان فكره في غفلة أرباب الدنيا عن الآخرة وكثرة مصائبهم فيها ، تسلى عنها وهان عليه تركها .
وكان بعض الصوفية وظف على نفسه كل يوم أن
يحضر دار المرضى - أي البيمارستان - ليشاهدهم ويشاهد عللهم ، ومحنهم .
ويحضر حبس السلطان أيضا ويشاهد أرباب الجنايات ومجيئهم لإقامة العقوبات .
وأيضا يحضر المقابر ، فيشاهد أرباب العزاء وأسفهم على