كمستغرق أوقاته في إحكام الراوية بعد سلوك الخيوط التي يخرزها ، وتحسين الخرز .
فإن قلت : فهذا إن قلته عن اعتقاد فهو خلاف إجماع الفقهاء ، وإن قلته حكاية ، فمن المعتقد لهذا المذهب ؟
فأقول : لست أقوله إلا حكاية عن هذا المذهب الذي مدار أكثر هذا الكتاب على وضعه ، وهو مذهب التصوف .
وقد اتفقوا على المعنى الذي يفهمه هذا المثال ، وإن لم يكن هذا المثال بعينه من جهتهم .
فإن قلت : فهل ما قالوه حق ؟ أم لا ؟
فأقول : ليس هذا الكتاب لبيان الحق والباطل بالبرهان في هذه الأمور ، بل هي وصايا تنبه على الغفلة ، وترشد إلى مواضع الطلب ، كي لا يغفل الإنسان عما قالوه فإن إمكانه ليس ببعيد في أول الأمر ، فليبحث المتعلم المسترشد عنه ليعرف سره ، وغائلته .
فإن قلت : إني وإن كنت لا أعتقد مذهب التصوف ، فلا تسمح نفسي أيضا بعد أن استغرقت عمرى في الفقه ، خلافا ومذهبا ، أن انحط عند الصوفية إلى هذه الرتبة الخسيسة فأرى بهذه العين ، فلم قلت : إن مذهبهم يوجب هذا ؟
فاعلم : أنك تتحقق السبب إن علمت تفاصيل ما سبق من ارتباط السعادة بمحو وإثبات عن النفس وفيها .
وأن المحو لما لا ينبغي أن يكون ، تزكية لها .
والإثبات لما ينبغي أن يكون ، تكميل لها بكشف الحقائق فيها .
وذلك لا يحصل إلا بتهذيب الأخلاق ، والتفكر في آلاء
ميزان العمل — صفحة 358
مساهمون: الغزالي
ص٣٥٨