ويؤيسه عن حقيقة الدرك لأسباب ذكرناها في كتاب ( معيار العلم ) « 1 » .
فليتقن الأصول ، والرأي الذي اختاره أستاذه ، وطريقه .
ثم ليخض بعد ذلك في تعرف الشبه وتعقبها .
ولهذا نهى اللّه تعالى من لم يقو في الإسلام عن مخالطة الكفار ، حتى قيل كان أحد أسباب تحريم الخنزير ذلك ؛ إذ كان أكثر أطعمة الكفار فحرم ذلك ؛ ليكون مزجرة للمسلمين عن مواكلتهم التي كانت سببا للمخالطة .
ولهذا يجب صيانة العوام عن مجالس أهل الأهواء ، كما تصان الحرم عن مخالطة المفسدين .
فأما من قويت في الدين شكيمته ، واستقر في نفسه برهانه وحجته ، فلا بأس عليه بالمخالطة ، بل الأحب المخالطة ، والإصغاء إلى الشبه ، والاشتغال بحلها ، ويكون به مجاهدا .
فإن القادر يستحب له التهجم على صف الكفار .
والعاجز يكره له ذلك .
ومن هذا الأصل غلط من ظن أن وظائف الضعفاء ، كوظائف الأقوياء في الدين ، حتى قال بعض مشايخ الصوفية :
[ من رآني في الابتداء ، قال صديقا .
ومن رآني في الانتهاء ، قال زنديقا . ]
يعنى أن الابتداء يقتضى المجاهدة الظاهرة للأعين ، بكثرة العبادات .
وفي الانتهاء يرجع العمل إلى الباطن ، فيبقى القلب على الدوام في عين الشهود والحضور ، وتسكن ظواهر الأعضاء .
هامش
( 1 ) كتاب ( معيار العلم ) سابق على كتاب ( ميزان العمل ) .