وإنما الكمال في الاعتدال .
ومعيار الاعتدال العقل والشرع ، وذلك أن يعلم الغاية المطلوبة من خلق الشهوة والغضب ، مثلا ، بأن يعلم أن شهوة الطعام إنما خلقت لتبعث على تناول الغذاء الذي يسد خلل ما ينحل من أجزائه بالحرارة الغريزية ، حتى يبقى البدن حيّا ، والحواس سليمة ، ليتوصل بالبدن إلى نيل العلوم ، ودرك حقائق الأمور .
ويتشبه بالطبقة العليا بالإضافة إليه ، وهي رتبة الملائكة ، وبها كمالها وسعادتها .
ومن عرف هذا كان قصده من الطعام التقوى على العبادة ، دون التلذذ به ، فيقتصر ويقتصد لا محالة ، ولا يشتد إليه شرهه .
* * * ويعلم أن شهوة الجماع خلقت فيه ، لتكون باعثة على الجماع الذي هو سبب بقاء النوع محفوظا ، ليطلب النكاح للولد والتحصن .
لا للعب والتمتع . وإن تمتع ولعب ، كان باعثه عليه التألف والاستحالة الباعثة على حسن الصحبة ودوام النكاح .
ويقتصر من الأنكحة على القدر الذي لا يعجزه عن القيام بحقوقه ومن عرف ذلك سهل عليه الاقتصار .
وعند ذلك لا يقيس نفسه بصاحب الشرع عليه السّلام ؛ إذ كان لا يشغله كثرة الأنكحة عن ذكر اللّه تعالى . ولا يلزمه طلب الدنيا لأجل الأزواج .
ومن ظن أن ما لا يضر صاحب الشرع لا يضره ، كان كمن ظن أن ما لا يغير البحر الخضم من النجاسات ، لا يغير كوزا مغترفا من البحر . وأن ما لا يضر الشخص القوى البنية ،
ميزان العمل — صفحة 270
مساهمون: الغزالي
ص٢٧٠