الغضبية عن القدر الواجب ، فتصرف عن الإقدام ، حيث يجب الإقدام .
ومهما حصلت هذه الأخلاق ، صدرت منها هذه الأفعال .
أي يصدر من خلق الشجاعة الإقدام ، حيث يجب ، وكما يجب ، وهو الخلق الحسن المحمود . وإياه أريد بقوله :
[ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ ]
فلا الشدة في كل مقام محمودة ، بل المحمود ما يوافق معيار العقل والشرع .
فمن حصل له ذلك ، فليحفظه بالمواظبة على أفعاله .
ومن لم يحصل له ، فلينظر فإن كان طبعه مائلا إلى النقصان ، الذي هو الجبن ، فليتعاط أفعال الشجعان متكلفا ، مواظبا عليه ، حتى يصير له الاعتياد طبعا وخلقا ، فيفيض منه أفعال الشجعان بعد ذلك طبعا .
وإن كان مائلا إلى طرف الزيادة ، وهو التهور ، فليشعر نفسه بعواقب الأمور ، وليعظم أخطارها ، وليتكلف الإحجام إلى الاعتدال ، أو ما يقرب منه ؛ فإن الوقوف على حقيقة حد الاعتدال شديد ، ولو تصور ذلك لارتحلت النفس عن البدن ، وليس معها علاقة منه ، فكانت لا تتعذب أصلا بالتأسف على ما يفوتها منه « 1 » .
هامش
( 1 ) هذا المعنى متفق تماما مع رأى الفلاسفة الإسلاميين في البعث الروحاني ؛ إذ العذاب الروحاني على مذهب هؤلاء الفلاسفة هو هذا الذي يشرحه الغزالي هنا ولقد سبق أن قرر الغزالي على لسان الصوفية أنهم لا يعترفون إلا بالبعث الروحاني ، وبالرغم من أن الغزالي قد قرر في ( المنقذ من الضلال ) أنه يرى أن طريق الصوفية أصح الطرق ، فقد كانت هناك مندوحة لإخراجه من الدخول معهم في هذه العقيدة بخصوصها .
ولكن موقفه هنا صريح في أنه يرى نفس ما يرون في هذا الموضوع .