وذلك في أول الأمر ، بأن تواظب باللسان على ذكر اللّه تعالى ، فلا تزال تقول : اللّه . اللّه . مع حضور القلب وإدراكه ، إلى أن تنتهى إلى حالة ، لو تركت تحريك اللسان ، لرأيت كأن الكلمة جارية على لسانك ؛ لكثرة اعتياده .
ثم تصير مواظبا عليه ، إلى أن ينمحى أثر اللسان ، فتصادف نفسك وقلبك ، مواظبين على هذا الذكر ، من غير حركة اللسان .
ثم تواظب إلى أن لا يبقى في قلبك إلا معنى اللفظ ، ولا يخطر ببالك حروف اللفظ وهيئات الكلمة ، بل يبقى المعنى المجرد ، حاضرا في قلبك ، على اللزوم والدوام .
ولك اختيار إلى هذا الحد فقط ، ولا اختيار بعده لك إلا في الاستدامة لدفع الوساوس الصارفة .
ثم ينقطع اختيارك ، فلا يبقى لك إلا الانتظار لما يظهر من فتوح ظهر مثله للأولياء ، وهو بعض ما يظهر للأنبياء .
قد يكون أمرا كالبرق الخاطف لا يثبت ، ثم يعود .
وقد يتأخر ؛ فإن عاد فقد يثبت ، وقد يكون مختطفا .
وإن يثبت امتد ثباته ، وقد لا يطول . وقد يتظاهر أمثاله على التلاحق .
وقد لا يقتصر على فن واحد .
ومنازل أولياء اللّه فيه لا تحصى ، لتفاوت خلقهم وأخلاقهم ] .
* * * فهذا منهج الصوفية ، وقد ردوا الأمر إلى تطهير محض من جانبك ، وتصفية وجلاء ، ثم استعداد وانتظار فقط .
* * * وأما النظار فلم ينكروا وجود هذا الطريق ، وإفضاءه إلى
ميزان العمل — صفحة 223
مساهمون: الغزالي
ص٢٢٣