تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ميزان العمل — صفحة 222

مساهمون:

ص٢٢٢
بل قالوا : الطريق تقديم المجاهدة بمحو الصفات المذمومة ، وقطع العلائق كلها ، والإقبال بكل الهمة على اللّه تعالى . ومهما حصل ذلك ، فاضت عليه الرحمة ، وانكشف له سر الملكوت ، وظهرت له الحقائق ، وليس عليه إلا الاستعداد بالتصفية المجردة ، وإحضار النية ، مع الإرادة الصادقة ، والتعطش التام ، والترصد بالانتظار لما يفتحه اللّه تعالى من الرحمة . إذا الأنبياء والأولياء انكشفت لهم الأمور ، وسعدت نفوسهم بنيل كمالها ، الممكن لها ، لا بالتعلم ، بل بالزهد « 1 » في الدنيا ، والإعراض والتبري عن علائقها ، والإقبال بكل الهمة على اللّه تعالى . فمن كان للّه ، كان اللّه له ، حتى إنه في الوقت الذي صدقت فيه رغبتي لسلوك هذا الطريق ، شاورت متبوعا مقدما ، من الصوفية في المواظبة على تلاوة القرآن ، فمنعني وقال : [ السبيل أن تقطع علائقك من الدنيا بالكلية ، بحيث لا يلتفت قلبك إلى : أهل ، وولد ، ومال ، ووطن ، وعلم ، وولاية . بل تصير إلى حالة يستوى عندك وجودها وعدمها . ثم تخلو بنفسك في زاوية تقتصر من العبادة على الفرائض والرواتب ، وتجلس فارغ القلب ، مجموع الهم ، مقبلا بذكرك على اللّه تعالى .
هامش
( 1 ) في ادعاء أن الزهد والإعراض عن الدنيا ، سبب من أسباب انكشاف حقائق الأمور للأولياء ما يمكن قبوله ؛ إذ لا مانع أن تكون الولاية مكتسبة . أما ادعاء أن الزهد في الدنيا ، والإعراض عن زخرفها ، سبب في الحصول على النبوة ، فليس بعيدا من قول الفلاسفة إن النبوة مكتسبة ؛ ولقد أنكر عليهم غيرهم ذلك .