درك الأعلى مثّل بالأخس ، ورغب فيه تلطفا باستدراجه إلى ما فيه سعادته .
وهذا أيضا إذا صح فلا يوجب فتورا في الطلب ، بل يوجب زيادة الجد .
وإلى هذا ذهبت الصوفية ، والإلهيون من الفلاسفة من عند آخرهم ، حتى إن مشايخ الصوفيد صرحوا ولم يتحاشوا ، وقالوا : من يعبد اللّه لطلب الجنة ، أو للحذر من النار ، فهو لئيم .
وإنما مطلب القاصدين إلى اللّه ، أمر أشرف من هذا ، ومن رأى مشايخهم ، وبحث عن معتقداتهم ، وتصفح كتب المصنفين منهم ، فهم هذا الاعتقاد من مجارى أحوالهم على القطع .
وفرقة رابعة : وهم جماهير من الحمقى لا يعرفون بأسمائهم ولا يعدون في زمرة النظار ، ذهبوا إلى أن الموت عدم محض ، وأن الطاعة والمعصية لا عاقبة لهما ، ويرجع الإنسان بعد موته إلى العدم كما كان قبل رجوعه . ]
فالصوفية - باعتراف الغزالي نفسه - ينكرون البعث الجسماني صراحة .
والغزالي يقول عن المتصوفة : إنهم السالكون لطريق اللّه تعالى خاصة ، وأن سيرتهم أحسن السير ، وطريقهم أصوب الطرق ، وأخلاقهم أزكى الأخلاق ، بل لو جمع عقل العقلاء ، وحكم الحكماء ، وعلم الواقفين على أسرار الشرع من العلماء ؛ ليغيروا شيئا من سيرهم وأخلاقهم ويبدلوه بما هو خير منه ، لم يجدوا إليه سبيلا ، وأن جميع حركاتهم وسكناتهم ، في ظاهرهم وباطنهم ، مقتبسة من نور مشكاة النبوة ، وليس وراء نور النبوة على وجه الأرض نور يستضاء به .
وما ذا يقول القائلون في طريقة طهارتها وهي أول شروطها تطهير القلب بالكلية عما سوى اللّه تعالى ، ومفتاحها الجاري منها مجرى التحريم من الصلاة ، استغراق القلب بالكلية بذكر اللّه ، وآخرها الفناء بالكلية في اللّه ، وهذا آخر بالإضافة إلى ما يكاد يدخل تحت الاختيار والكسب من أوائلها ، وهي على التحقيق أول الطريقة ، وما قيل ذلك كالدهليز للسالك إليه .
ومن أول الطريق تبتدئ المكاشفات والمشاهدات حتى أنهم في يقظتهم
ميزان العمل — صفحة 166
مساهمون: الغزالي
ص١٦٦