التأثر بالملموس والمنظور ، والمطعوم ، وغيره .
والشئ الخارج سبب في حصول الأثر ، وليست اللذة من الأثر الخارج ، بل من الأثر الحاصل عند حضور الخارج .
فإن أمكن حصول الأثر في النفس دون الشئ الخارج ، كما في حالة النوم ، فلا أرب في الشئ الخارج .
وفرقة ثالثة : ذهبوا إلى إنكار اللذة الحسسية جملة بطريق الحقيقة والخيال .
وزعموا أن التخيل لا يحصل إلا بآلات جسمانية ، والموت يقطع العلاقة بين النفس والبدن ، الذي هو آلته في التخييل وسائر الإحساسات ، ولا يعود قط إلى تدبير البدن بعد أن أطرحه . فلا يبقى له إلا آلام ولذات ليست حسية ، ولكنها أعظم من الحسية ؛ فإن الإنسان في هذا العالم أيضا ميله إلى اللذات العقلية ونفرته عن الآلام العقلية أشد .
ولذلك يكرهون في الطلب إراقة ماء الوجه ، ويؤثرون الاحتراز عن الافتضاح والاستتار في قضاء شهوة الفرج ، ومقاساة الآلام والمشقات ، بل قد يؤثر الإنسان ترك الطعام يوما أو يومين ليتوصل به إلى لذة الغلبة في الشطرنج مع حسيته ، ولذة الغلبة عقلية .
وقد يهجم على عدد كبير من المقاتلين ليقتل ويعتاض عنه ما يقدره في نفسه من لذة الحمد والوصف بالشجاعة .
وزعموا أن الحسيات بالإضافة إلى اللذات الكائنة في الدار الآخرة في غاية القصور .
وتكون نسبتها إليها ، كنسبة إدراك رائحة الطعوم اللذيذ إلى ذوقه . ونسبة النظر في وجه المعشوق إلى مضاجعته ومجامعته ، بل أبعد منه نسبة .
وزعموا أن ذلك لما بعد عن فهم الجماهير ، مثلت لهم تلك اللذات بما عرفوها من الحسيات ، كما أن الصبى يشتغل بالتعلم لينال به القضاء أو الوزارة ، وهو لا يدرك في الصبى لذتهما ، فيوعد بأمور يلتذ بها كثيرا ، كصولجان يلعب به ، أو عصفور يعبث به ، وأمثاله .
وأين لذّة اللعب بالعصفور من لذة الملك والوزارة ، ولكن لما قصر فهمه عن
ميزان العمل — صفحة 165
مساهمون: الغزالي
ص١٦٥