بتتبع كلامه وكلام الشيخ أبى على ، وصرف بعضهما إلى بعض ، وإضافة ذلك إلى الآراء التي نبغت في زماننا هذا ، ولهج بها قوم من منتحلي الفلسفة ، حتى استقام لنا الحق أولا بطريق البحث والنظر ، ثم وجدنا منه الآن هذا الذوق اليسير بالمشاهدة ، وحينئذ رأينا أنفسنا أهلا لوضع كلام يؤثر عنا ، وتعين علينا أن تكون : أيها السائل أول من أتخفناه بما عندنا ، وأطلعناه على ما لدينا لصحيح ولائك ، وزكاء صفائك ، غير أنا إن ألقينا إليك بغايات ما انتهينا إليه من ذلك ، من قبل أن نحكم مباديها معك ، لم يفدك ذلك شيئا أكثر من أمر تقليدى مجمل ، هذا إن أنت حسنت ظنك بنا بحسب المودة والموالفة ، لا بمعنى أنا نستحق أن يقبل قولنا ، ونحن لا نقنع لك بهذه الرتبة ، ولا نرضى لك إلا ما هو أعلى منها ] .
هذا هو الفيلسوف ابن طفيل ، أحد فلاسفة الإسلام المشهورين ، لا يسعه إلا أن يعلن حيرته حين يقف بين هذه النصوص ، التي وضعناها بين يديك ، وليس لدى ما أقوله في هذا المقام بخصوص هذا التضارب سوى أن أضع بين يديك أيها القارئ نصّا آخر من نصوص الغزالي في كتابه « فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة » ، قال :
[ لعلك تشتهى أن تعرف حد الكفر . . . وإني أعطيك علامة صحيحة تطردها وتعكسها ؛ لتتخذها نظرك ، وترعوى بسببها عن تكفير الفرق ، وتطويل اللسان في أهل الإسلام ، وإن اختلفت طرقهم ، ما داموا متمسكين بقول لا إله إلا اللّه ، محمد رسول اللّه ، صادفين بها ، غير مناقضين لها ، فأقول :
الكفر هو تكذيب الرسول - عليه الصلاة والسّلام - في شئ مما جاء به .
والإيمان تصديقه في جميع ما جاء به .
واعلم أن هذا الذي ذكرناه ، مع ظهوره ، تحته غور ، بل تحته كل الغور ، لأن كل فرقة تكفر مخالفها ، وتنسبه إلى تكذيب الرسول - عليه الصلاة والسّلام - فالحنبلى يكذب الأشعري ، زاعما أنه كذب الرسول في إثبات « الفوق » للّه تعالى ، وفي الاستواء على العرش ، والأشعري يكفره ، زاعما أنه مشبه ، وكذب الرسول في
ميزان العمل — صفحة 169
مساهمون: الغزالي
ص١٦٩