يشاهدون الملائكة وأرواح الأنبياء ، ويسمعون منهم أصواتا ، ويقتبسون منهم فوائد ، ثم يترقى الحال من مشاهدة الصور والأمثال إلى درجات يضيق عنها نطاق النطق ]
هكذا هم المتصوفة في نظر الغزالي ، هم صفوة الخلق بعد الأنبياء .
وهؤلاء هم المتصوفة باعتراف الغزالي ينكرون البعث الجسماني .
وهذا هو الغزالي يكفر الفلاسفة لإنكارهم البعث الجسماني .
فما هو تفسير ذلك ؟ إن هذا الموقف الذي أقفه الآن بين نصوص الغزالي المتعارضة ، قد وقفه قبلي آخرون ممن عنوا بتاريخ الفكر الإسلامي ، فهذا ابن طفيل الفيلسوف الإسلامي المشهور الذي توفى بعد الغزالي بنحو سبعين عاما فقط ، يقف وقفة المتحير بين هذه النصوص المتقابلة ، يقول ، في كتابه « حي بن يقظان » .
[ وأما كتب الشيخ أبى حامد الغزالي ، فهو بحسب مخاطبته للجمهور يربط في موضع ويحل في آخر ، ويكفر بأشياء ثم ينتحلها ، ثم إنه من جملة ما كفر به الفلاسفة في كتاب « التهافت » إنكارهم لحشر الأجساد ، وإثباتهم الثواب والعقاب للنفوس خاصة .
ثم قال في أول كتاب « الميزان » .
« إن هذا الاعتقاد ، هو اعتقاد شيوخ الصوفية على القطع » .
ثم قال في كتاب « المنقذ من الضلال ، والمفصح بالأحوال » .
« إن اعتقاده هو كاعتقاد الصوفية ، وإن أمره إنما وقف على ذلك بعد طول البحث » .
وفي كتبه من هذا النوع كثير يراه من تصفحها وأمعن النظر فيها ، وقد اعتذر عن هذا الفعل في آخر كتاب « ميزان العمل » حيث وصف أن الآراء ثلاثة أقسام :
1 - رأى يشارك فيه الجمهور فيما هم عليه .
2 - ورأى يكون بحسب ما يخاطب به كل مسائل ومسترشد .
3 - ورأى يكون بين الإنسان وبين نفسه ، لا يطلع عليه إلا من هو شريكه في اعتقاده .
ميزان العمل — صفحة 167
مساهمون: الغزالي
ص١٦٧