الغزالي يبحث عن الحقيقة عند أهل التعليم
قال الغزالي :
[ ثم إني لما فرغت من علم الفلسفة وتحصيله وتفهيمه وتزييف ما يزيف منه ، علمت أن ذلك أيضا غير واف بكمال الغرض ، وأن العقل ليس مستقلا بالإحاطة بجميع المطالب ، ولا كاشفا للغطاء عن جميع المعضلات .
ولما كان قد نبغت نابتة التعليمية ، وشاع بين الخلق تحديهم بمعرفة معنى الأمور من جهة الإمام المعصوم القائم بالحق ، عنّ لي أن أبحث عن مقالتهم ؛ لأطلع على ما في كتبهم .
ثم اتفق أن ورد علىّ أمر جازم من حضرة الخلافة بتصنيف كتاب يكشف عن حقيقة مذهبهم ، فلم يسعني مدافعته ، وصار ذلك مستحثّا من خارج ، ضميمة للباعث الأصلي من الباطن .
فابتدأت بطلب كتبهم وجمع مقالاتهم ، وكان قد بلغني بعض كلماتهم المستحدثة التي ولدتها خواطر أهل العصر ، لا على المنهاج المعهود من سلفهم ، فجمعت تلك الكلمات ورتبتها ترتيبا محكما ، مقارنا للتحقيق ، واستوفيت الجواب عنها ، حتى أنكر أهل الحق منى مبالغتى في تقرير حجتهم ، وقال :
هذا سعى لهم ؛ فإنهم كانوا يعجزون عن نصرة مذهبهم بمثل هذه الشبهات لولا تحقيقك لها وترتيبك إياها .
وهذا الإنكار من وجه حق ، فلقد أنكر « أحمد بن حنبل » غلى « الحارث المحاسبي » تصنيفه في الرد على المعتزلة .
فقال « الحارث » : الرد على البدعة فرض .
فقال « أحمد » : نعم ، ولكن حكيت شبهتهم أولا ، ثم أجبت عنها ، فلم تأمن أن يطالع الشبهة من تعلق ذلك بفهمه ، ولا يلتفت إلى الجواب ، أو ينظر إلى الجواب ولا يفهم كنهه ،