فلو فتحنا هذا الباب وتطرقنا إلى أن يهجر كل حق سبق إليه خاطر مبطل ، للزمنا أن نهجر كثيرا من الحق ، ولزمنا أن نهجر جملة من آيات القرآن ، وأخبار الرسول ، وحكايات السلف ، وكلمات الحكماء والصوفية ؛ لأن صاحب كتاب « إخوان الصفاء » أوردها في كتابه مستشهدا بها ، ومستدرجا قلوب الحمقى بواسطتها ، إلى باطله .
ويتداعى ذلك إلى أن يستخرج المبطلون الحق من أيدينا بإيداعهم إياها كتبهم .
وأقل درجة العالم ، أن يتميز عن العامي الغمر ، فلا يعاف العسل وإن وجده في محجمة الحجام ، ويتحقق أن المحجمة لا تغير ذات العسل ، وأن نفرة الطبع منه مبنى على جهل عامي ، منشؤه أن المحجمة إنما صنعت للدم المستقذر ، فيظن أن الدم مستقذر لكونه في المحجمة ، ولا يدرى أنه مستقذر بصفة في ذاته ؛ فإذا عدمت هذه الصفة في العسل ، فكونه في ظرفه لا يكسبه تلك الصفة ، فلا ينبغي أن يوجب له الاستقذار .
وهذا وهم باطل ، وهو غالب على أكثر الخلق ، فمهما نسبت الكلام وأسندته إلى قائل حسن فيه اعتقادهم ، قبلوه ، وإن كان باطلا .
وإن أسندته إلى من ساء فيه اعتقادهم ، ردوه ، وإن كان حقا .
فأبدا يعرفون الحق بالرجال ، ولا يعرفون الرجال بالحق .
وهو غاية الضلال .
هذه آفة الرد .
* * * الآفة الثانية : آفة القبول ؛ فإن من نظر في كتبهم كإخوان الصفا وغيره ، فرأى ما مزجوه بكلامهم من الحكم النبوية ، والكلمات الصوفية ، ربما استحسنها وقبلها ، وحسن اعتقاده فيها ، فيسارع إلى قبول باطلهم الممزوج به ، بحسن ظن ، حصل مما رآه واستحسنه .
وذلك نوع استدراج إلى الباطل ، ولأجل هذه الآفة يجب الزجر عن مطالعة كتبهم لما فيها من الغرر والخطر .
ميزان العمل — صفحة 145
مساهمون: الغزالي
ص١٤٥