وكما يجب صون من لا يحسن السباحة عن مزالق الشطوط ، يجب صون الخلق عن مطالعة تلك الكتب .
وكما يجب صون الصبيان عن مس الحيات ، يجب صون الأسماع عن مختلط تلك الكلمات .
وكما يجب على المعزم أن لا يمس الحية بين يدي ولده الطفل ، إذا علم أنه سيقتدى به ، ويظن أنه مثله .
بل يجب عليه أن يحذر منه ، بأن يحذر هو في نفسه بين يديه .
فكذلك يجب على العالم الراسخ مثله .
وكما أن المعزم الحاذق إذا أخذ الحية ، وميّز بين الترياق والسم ، فاستخرج منه الترياق وأبطل السم ، فليس له أن يشح بالترياق على المحتاج إليه .
وكذلك الصراف الناقد البصير ، إذا أدخل يده في كيس القلاب ، وأخرج منه الإبريز الخالص ، واطرح الزيف والبهرج ، فليس له أن يشح بالجيد المرضى على من يحتاج إليه ، كذلك العالم .
وكما أن المحتاج إلى الترياق إذا اشمأزت نفسه عنه ، حيث علم أنه مستخرج من الحية ، التي هي مركز السم .
والفقير المضطر إلى المال ، إذا نفر عن قبول الذهب المستخرج من كيس القلاب ، وجب تنبيهه على أن نفرته جهل محض ، هو سبب حرمانه من الفائدة التي هي مطلبه ، ويتحتم تعريفه أن قرب الجوار بين الزيف والجيد ، لا يحيل الجيد زيفا ، كما لا يحيل الزيف جيدا .
فكذلك قرب الجوار بين الحق والباطل ، لا يجعل الباطل حقّا ، كما لا يحيل الباطل حقّا .
فهذا مقدار ما أردنا ذكره ، من آفة الفلسفة وغائلتها ] .
وهكذا بعد طول تطواف في مجال الفلسفة ، وبين مختلف ربوعها ، لم يجد الغزالي الحق الذي يطلبه ، هنالك . فاتجه نحو فرقة ذات منهج آخر ، عله يجد عندها ما يبتغيه .
ميزان العمل — صفحة 146
مساهمون: الغزالي
ص١٤٦