تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ميزان العمل — صفحة 143

مساهمون:

ص١٤٣
وقد انكشف لهم في مجاهداتهم من أخلاق النفس وعيوبها وآفات أعمالها ، ما صرحوا بها . فأخذها الفلاسفة ، ومزجوها بكلامهم ، توسلا ، بالتجمل بها ، إلى ترويج باطلهم . ولقد كان في عصرهم ، بل في كل عصر ، جماعة من المتألهين لا يخلى اللّه العالم عنهم ؛ فإنهم أوتاد الأرض ، ببركتهم تنزل الرحمة إلى أهل الأرض ، كما ورد في الخبر ، حيث قال عليه السّلام : « بهم يمطرون ، وبهم يرزقون ، ومنهم كان أصحاب الكهف » . وكانوا في سالف الأزمنة ، على ما نطق به القرآن . فتولد من مزجهم : كلام النبوة . وكلام الصوفية . بكتبهم . آفتان . آفة في حق القابل . وآفة في حق الراد . أما آفته في حق من رده : فعظيمة ؛ إذ ظنت طائفة من الضعفاء أن ذلك الكلام ؛ إذ كان مدونا في كتبهم ، وممزوجا بباطلهم ، ينبغي أن يهجر ولا يذكر ، بل ينكر على كل من يذكره ؛ لأنهم إذ لم يسمعوه أولا إلا منهم ، سبق إلى عقولهم الضعيفة أنه باطل ؛ لأن قائله مبطل ، كالذي يسمع من النصراني قول : « لا إله إلا اللّه عيسى رسول اللّه » . فينكر ويقول : هذا كلام النصراني ، ولا يتوقف ريثما يتأمل أن النصراني كافر ، باعتبار هذا القول ، أو باعتبار إنكار نبوة محمد عليه السّلام . فإن لم يكن كافرا إلا باعتبار إنكاره ، فلا ينبغي أن يخالف في غير ما هو كافر به ، مما هو حق في نفسه ، وإن كان أيضا حقّا عنده . وهذه عادة ضعيفى العقول ، يعرفون الحق بالرجال ، لا الرجال بالحق .
ميزان العمل — صفحة 143 | الغزالي / سليمان دنيا