بأن الشرع يخاطب الناس على قدر عقولهم ، وليس بلازم أن ما يحكيه الشرع للناس تنزلا معهم على قدر عقولهم ، يكون تصويرا للواقع . وهاك نص عبارة ابن سينا في هذا الشأن ، قال :
( أما الشرع فينبغي أن يعلم فيه قانون واحد ، وهو أن الشرع والملل الآتية على لسان نبي من الأنبياء يرام بها خطاب الجمهور كافة « 1 » ] .
وقال :
[ فظاهر من هذا كله أن الشرائع واردة لخطاب الجمهور بما يفهمون ، مقربا ما لا يفهمون إلى أفهامهم ، بالتشبيه والتمثيل .
ولو كان غير ذلك لما أغنت الشرائع البتة ] .
نخلص من كل هذا إلى أن ابن سينا ينكر البعث الجسماني ، في صراحة ، وتصميم .
أما الرد عليه بخصوص ذلك ، فقد مرّ بنا .
عود على بدء
ونتابع مع الغزالي رأيه في بقية علوم الفلاسفة بحثا عن الحقيقة ، قال :
[ وأما السياسات : فمجموع كلامهم فيها يرجع إلى الحكم المصلحية المتعلقة بالأمور الدنيوية السلطانية .
وإنما أخذوها من كتب اللّه المنزلة على الأنبياء ، ومن الحكم المأثورة عن سلف الأولياء .
وأما الخلقية : فجميع كلامهم فيها يرجع إلى حصر صفات النفس ، وأخلاقها وذكر أجناسها وأنواعها ، وكيفية معالجتها ومجاهدتها .
وإنما أخذوها من كلام ( الصوفية ) وهم المتألهون المثابرون على ذكر اللّه تعالى ، وعلى مخالفة الهوى ، وسلوك الطريق إلى اللّه تعالى : بالإعراض عن ملاذ الدنيا .
هامش
( 1 ) رسالة أضحوية في أمر المعاد ص 46 .