وصار البعث عن ذلك التراب وعن تراب غيره ، سواء لا فرق فيه ، فقد رفعوا حكم العدل الذي يراعونه في بعث أعضاء البدن .
إلا أن يجعلوا للأجزاء المخصوصة بالبعث خصوصية معنى زائد عنها ، وهو أنها في حال الحياة الأولى ، كانت مادة للأجزاء المقومة للحياة ، فيكون القول بذلك هو التحكم الذي لا فائدة فيه ولا جدوى بوجه من الوجوه ، أعنى تخصيص بعض أجزاء الأعضاء المتشابهة بالبعث دون بعض هو القول بتصيير عدم معنى كان سببا في استحقاق شئ لمعنى دون غيره ، وحال العدم الكائن والممكن الكون الغير الكائن في المادة القابلة لهما واحدة .
وأنت إذا تأملت وتدبرت ظهر لك أن الغالب على ظاهر التربة المعمورة جثث الموتى المتربة . وقد حرث فيها وزرع وتكون منها الأغذية ، وتغذى بالأغذية جثث أخرى .
فأنّى يمكن بعث مادة ، كانت حاملة لصورتى إنسانين في وقتين ، لهما جميعا ، في وقت واحد ، بلا قسمة ؟
فإن قال قائل : إنه يبعث للنفس بدن من أي تراب ، وأي هواء ، وماء ونار ، اتفق . وليس من شرطه أن تكون الاسطقسات الموجودة في الحياة الأولى بعينها ، فهو بعينه القول بالتناسخ الصراح « 1 » ] .
وهذا صريح تمام الصراحة في إنكار ابن سينا للبعث الجسماني . ولكنا لا بد أن نشير إلى مسألة قد تعرض للقارئ ، وهي أن ابن سينا مصرح صراحة لا تقبل التأويل بالبعث الجسماني في كتابه ( الشفاء ) فإذا تعارض ما في كتاب ( رسالة أضحوية في أمر المعاد ) مع ما في كتاب ( الشفاء ) فأيهما نأخذ وأيهما ندع ؟
وللإجابة على هذا السؤال ، أقول :
إن ابن سينا قال عن كتاب ( الشفاء ) في مقدمة كتاب ( منطق المشرقين ) - الذي يظن أنه مقدمة لكتاب مستوعب لجميع فروع الفلسفة ، ضاع ولم يصل إلينا - ما يأتي :
[ وما جمعنا هذا الكتاب لنظهره إلا لأنفسنا .
هامش
( 1 ) كتاب ( رسالة أضحوية في أمر المعاد ) ص 55 ، 56 ، 57 نشر دار الفكر العربي .