تلكم هي مشكلة قدم العالم ، وقد وقفت على جلية الأمر في شأن من تناولوها بالإثبات والنفي ، وعرفت أنهم ضاربون في بيداء الجدل ، غير عارفين بشأنها إلى اليقين سبيلا . وقد عرفت أيضا - فيما تقدم من نصوص - أن الغزالي اعتبر الفلاسفة كفارا ، لقولهم بقدم العالم .
وقد ذكرنا فيما سبق مبررات حكمه عليهم بالكفر .
لقولهم : إن اللّه لا يعلم الجزئيات .
ولقولهم : إن البعث روحاني لا جسماني .
وإنه لا يسعني إلا موافقة الغزالي على الحكم بالكفر على كل من ينكر علم اللّه بشئ من العالم ، وعلى كل من يكذب آيات القرآن الصريحة في البعث الجسماني .
أما التكفير بشأن مسألة قدم العالم فالأمر فيها غير بيّن :
فتارة يقال : إن سبب ذلك هو سلب الاختيار عن اللّه ، والقول بالقدم على النحو الذي ذكره الفلاسفة يستلزم سلب الاختيار عن اللّه ، ولكن لقد علمت وجهة نظر القديس ( توما الأكوينى ) وأنه - بناء عليها - يمكن أن يكون العالم قديما ، من غير أن يسلب الاختيار عن اللّه .
وتارة يقال : إن سبب ذلك تكذيب النصوص المقدسة التي تفيد - بمقتضى تعبيرها ب ( الخلق ) - أن العالم حادث ، ويشير إلى هذا قول القديس ( توما الأكوينى ) .
[ أما الاختيار فليس يكشف عنه سوى اللّه ، وقد فعل ؛ إذ أوحى أن العالم حادث ] .
وإنه لا يسعني إلا أن أحكم بالكفر على من يتجاسر فيكذب أخبار اللّه .
* * *
ميزان العمل — صفحة 138
مساهمون: الغزالي
ص١٣٨