فالخلق يقتضى قدرة لا متناهية ؛ لذلك كان خاصّا باللّه وحده .
ب - وقد سبق القول بأن اللّه لا يريد بالضرورة إلا ذاته ، وأنه يريد غيره بالاختيار ، فهو ليس يريد بالضرورة أن يكون العالم ، لا أن يكون قديما ، .
ولا أن يكون حادثا .
* * * وهكذا يحسم الخلاف الطويل العنيف بين أنصار القدم وأنصار الحدوث ؛ ذلك بأن البحث العقلي في الإرادة الإلهية . لا يمكن أن يتناول سوى الإرادة الضرورية .
أما الاختيار فليس يكشف عنه سوى اللّه ، وقد فعل ؛ إذ أوحى أن العالم حادث .
ولكن من وجهة العقل البحت ، القدم والحدوث ممكنان على السواء . ولا سبيل إلى إقامة البرهان على ضرورة أحد الحدين ، وإسقاط الآخر
* * * فلئن كان اللّه منذ الأزل علة كافية للعالم ، وكان فاعلا بذاته على ما يقول أنصار القدم ، إلا أنه ليس يلزم من ذلك جعل العالم صادرا عنه إلا بحسب ما استقر في إرادته .
أما أدلة أرسطو فليست برهانية ، وقد صرح هو في ( كتاب الجدل ] بأن مسألة قدم العالم من المسائل الجدلية .
* * * كذلك ليس يمكن إثبات الحدوث بالبرهان .
لا من جهة « 1 » اللّه كما أسلفنا .
هامش
( 1 ) يعنى أن الناظر في ذات اللّه نظرا عقليا ليس يستطيع إثبات أن مفعوله لا بد أن يكون حادثا ؛ لما سلف له من قوله : ( إن اللّه لا يريد بالضرورة إلا ذاته ، وإنه يريد غيره بالاختيار ، فهو ليس يريد بالضرورة أن يكون العالم : لا أن يكون قديما ، ولا أن يكون حادثا . . . إن البحث العقلي في الإرادة الإلهية ، لا يمكن أن يتناول سوى الإرادة الضرورية . أما الاختيار فليس يكشف عنه سوى اللّه - أي بالإخبار والتبليغ بوساطة رسله - وقد فعل إذ أوحى أن العالم حادث ) .
وليس يعنى بقوله ( لا من جهة اللّه ) نفى العلم بحدوث العالم ، عن طريق تبليغ اللّه ، لأن موضوع حديثه هنا هو عن الإثبات بالبرهان ، لا عن الإثبات بالتبليغ ، لقوله ( كذلك ليس يمكن إثبات الحدوث -