استحداثا بكامل قدرته ، وبمنتهى حريته وإرادته ، على أن يكون هذا الخلق موجودا ، بعضه إثر بعض على التتابع ، وعلى أن يكون اللّه خالقا دائما ، بمعنى أنه ما من مخلوق حادث ، إلا وقبله مخلوق آخر حادث ، وما دام اللّه قديما لا أول له ، فمخلوقاته كذلك قديمة بالعدد والنوع ، لا أول لها مع كونها ، حادثة بالشخص ؟
ليس لذلك الإنكار من داع أصلا ؛ وليس في وسع عاقل أن يتورط فيه .
والآن إليك بيان شمول كل دليل من أدلة علماء الكلام الثلاثة ، لهذا الفرض :
أما الدليل الأول : فمفاده : أنه لا يصح أن يقع في الوجود - اجتماعا ، أو تتابعا - كائنات لا نهاية لها . وعلى الفرض الذي افترضناه ، يمكن أن يقع في الوجود على التتابع ، كائنات لا نهاية لها .
فيكون هذا الدليل مبطلا لهذا الفرض .
فإما أن يكون إبطال هذا الدليل لهذا الفرض ، عن غير قصد ، فيجب تعديله وتصحيحه ، حتى لا يقع إلا على المعنى المراد إبطاله .
وإما أن يكون إبطال هذا الدليل لهذا الفرض ، عن قصد ، فيكون المقصود إبطال نظرية الأزلية في ذاتها الشاملة لأزلية الخالق وأزلية المخلوق على السواء .
وأما الدليل الثاني : فمفاده : أنه على فرض قدم العالم ، على ما يقول به فلاسفة الإسلام ، يكون زيد من الناس قد سبق بكائنات لا نهاية لها ، فيرتب علماء الكلام على هذا تساؤلهم الذي يظنونه معجزا ، قائلين :
كيف انتهت هذه الكائنات التي لا نهاية لها ، وكيف انتهى زمنها الذي لا نهاية له أيضا ، حتى جاء دور زيد في الوجود ؟
وعلى الفرض الذي افترضناه يكون زيد من الناس مسبوقا أيضا بكائنات لا نهائية فكيف انتهت هذه الكائنات التي لا نهاية لها ، وكيف انتهى زمنها الذي لا نهاية له أيضا ، حتى جاء دور زيد في الوجود .
فهذا الدليل - إذن - أيضا شامل لإبطال هذا الفرض :
فإما أن يكون ذلك عن غير قصد ، فيجب تعديله وتصحيحه ، حتى لا يقع
ميزان العمل — صفحة 132
مساهمون: الغزالي
ص١٣٢