يتدخل في عمل العقل ، فيحمل على التعصب ، ويدفع إلى الحرص على الانتصار دون مبالاة بالحق ، ورعاية لحرمته .
ويعجبني في هذا المقام رأى لفيلسوف مسيحىّ ، هو القديس توما الأكوينى الذي عاش المدة الواقعة بين عامي 1225 و 1274 م عالج نفس المشكلة بحيدة وإنصاف ، وفصل بين موقف العقل وموقف الدين ، وانتهى إلى أن العقل ليس يستطيع الجزم بأن العالم قديم ، وليس يستطيع الجزم بأن العالم حادث ، لا لعجز في العقل ، ولكن لأن كلا الأمرين ممكن إمكانا ذاتيّا ، ولا يعلم وقوع الممكن إلا بدليل خبري ، لا بدليل يقيني .
وهاك رأى الفيلسوف المسيحىّ ، منقولا عن كتاب [ تاريخ الفلسفة الأوربية في العصر الوسيط « 1 » قال :
[ ا - كل مخلوق - ما خلا اللّه - مخلوق من اللّه ضرورة ؛ لأن الوجود القائم بذاته لا يمكن أن يكون إلا واحدا ، فيلزم أن كل ما خلا اللّه ليس عين وجوده .
ولكنه موجود بالمشاركة .
وليس الوجود بالمشاركة صدورا عن ذات اللّه ، كما تقول الأفلاطونية الحديثة ؛ لأن ما يصدر عن الذات صدورا ضروريّا ، فهو مثل الذات ، وليس العالم مثل اللّه .
ومن هذه الناحية أيضا يسقط مذهب وحدة الوجود الذي يعتبر العالم مظهرا اللّه .
أما قول ابن سينا : إن من شأن الواحد دائما أن يصدر عنه واحد ، فيصدق على الفاعل بالطبع لا على الفاعل الإرادى الذي يفعل بالصورة المعقولة .
ولما كان اللّه يتعقل أمورا كثيرة ، فهو يقدر أن يفعل أشياء كثيرة .
يضاف إلى ذلك استحالة صدور الموجودات بعضها عن بعض ؛ لأن المخلوق غير موجود بذاته ، فلا يستطيع أن يمنح وجودا ليس له بالذات .
ولئن كان المخلوق الموجود متناهيا ؛ فإن المسافة بين الوجود واللاوجود ، لا متناهية .
هامش
( 1 ) صفحات ( 182 ، 183 ، 184 ) نشر دار الكاتب المصري .