تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ميزان العمل — صفحة 133

مساهمون:

ص١٣٣
إلا على المعنى المراد إبطاله . وإما أن يكون عن قصد ، فيكون المقصود إبطال نظرية الأزلية في ذاتها ، الشاملة لأزلية الخالق وأزلية المخلوق على السواء . وأما الدليل الثالث : فمفاده : أنه في كل وقت جديد تحدث حالات وكائنات جديدة ، ولا شك أن هذه الحالات والكائنات الجديدة تنضاف إلى مجموعة الحالات والكائنات القديمة . ومعنى انضياف الجديد إلى القديم من هذه الحالات والكائنات ، أن تزيد بالجديد مجموعة القديم . وهنا يتقدم علماء الكلام بتساؤلهم الذي يظنونه معجزا قائلين : كيف يقبل الزيادة ما لا يتناهى ؟ يعنون أنه لو كان العالم قديما ، كما يقول به فلاسفة الإسلام ، للزم أن تطرأ الزيادة على ما لا يتنهى ، وأن يقبل الزيادة ما لا يتناهى ، وذلك محال . ولا شك أن هذا الكلام ذاته يقال في الفرض الذي افترضناه ؛ فإن كل جديد من الأحوال والكائنات ينضاف إلى مجموعة سابقة لا تتناهى بناء على هذا الفرض نفسه ، فيقال هنا ، كما قيل هناك : كيف يقبل الزيادة ما لا يتناهى ؟ فإما أن يكون هذا الدليل قد شمل هذا الفرض عن غير قصد ، فيجب تعديله وتصحيحه حتى يقع على محل المنع فقط . وإما أن يكون عن قصد ، فيكون المقصود إبطال نظرية الأزلية في ذاتها ، من حيث شمولها لأزلية الخالق وأزلية المخلوق معا . * * * هكذا يظهر بوضوح أن موقف ابن سينا من أدلة علماء الكلام ، كان موقفا جدليّا ، لا موقفا تحقيقيّا يأخذ بيد من يتتبعه إلى اليقين . وأن موقف علماء الكلام كان موقفا مائعا ، يفضى إلى إنكار أزلية الإله نفسه . وذلك موقف لا يحمد عليه كلا الطرفين ، وهو إن دل على شئ فإنما يدل على أن العقل البشرى يقحم نفسه فيما لا سبيل له إلى إدراك كنهه ، وعلى أن الهوى