علة لشئ بالمعنى الذي أثبته الفلاسفة ، وخالفهم فيه علماء الكلام .
فأي شئ في هذا الفرض ، يصبح موضع إنكار لدى علماء الكلام ، بعد أن حققنا لهم وصف اللّه بما أرادوا من القدرة والإرادة والاختيار ، ووصف الجواهره والأعراض بما أرادوا من الحدوث ، أي الوجود بعد العدم ؟
وقد كانت معركتهم كلها قائمة للدفاع عن هذين الجانبين :
جانب اللّه ، وما ينبغي له - عندهم - من قدرة ، وإرادة ، واختيار .
وجانب العالم ، وما يلزمه - عندهم - من الحدوث والوجود بعد العدم .
إن تحقيق هذين الجانبين كان كل همهم ، وغاية قصدهم ، وقد حققناهما لهم في هذا الفرض الذي فرضناه .
فإذا ظلت مع هذا ، أدلتهم الثلاثة التي ساقوها ضد الفلاسفة لإنكار قضية قدم العالم التي يقول بها الفلاسفة ، قائمة ، فليس لذلك إلا أحد تفسيرين .
إما أن تكون أدلتهم - على غير قصد منهم - أوسع نطاقا من مجال القضية التي قدموا أدلتهم هذه لإنكارها ، حيث قد أفسدت أدلتهم هذه - على فرض صحتها - قضية قدم العالم . بالمعنى الذي ذكره فلاسفة الإسلام ، وشرحه الغزالي في [ كتابيه مقاصد الفلاسفة ] و [ تهافت الفلاسفة ] وبالمعنى الذي افترضناه نحن ، ووفرنا معه ما ينبغي للّه من كمال في القدرة والإرادة ، والاختيار ، وما ينبغي للعالم من نقص ، ووفرنا معه ما يعتبره علماء الكلام لازما من لوازمه ، وهو الحدوث حدوث الجواهر ، وحدوث الأعراض .
وسنلقى نظرة على كل دليل من أدلة علماء الكلام الثلاثة ، نكشف فيها عن وقوع هذا الفرض الذي افترضناه في مجال البطلان الذي يقتضيه كل واحد من هذه الأدلة .
وإما أن يكونوا قد قصدوا قصدا ؛ إلى إفساد نظرية الأزلية الشاملة لأزلية الخالق ، وأزلية المخلوق على السواء ، حيث إن إدخال هذا الفرض الذي افترضناه ضمن دائرة الإنكار ليس هناك ما يصلح مبررا لإنكاره إلا أن يتحقق مع إنكاره إنكار نظرية الأزلية في ذاتها .
إذ ما داعى أن ينكر على اللّه تعالى أن يخلق خلقا يستحدثه من العدم
ميزان العمل — صفحة 131
مساهمون: الغزالي
ص١٣١