وعاهده باللّه ، وبأيمان لا مخارج لها ، ليجرى فيما تأتيه مجراك ، متأسيا بك .
فإن أذعت هذا العلم ، أو أضعته ، فاللّه بيني وبينك ، وكفى باللّه وكيلا ] .
ففيم كل هذا ، من أجل كتاب ، استعمل الجدل ، كما استعمله كثير من الكتب ، واستعمل التمويه والخداع ، كما استعمله كثير من الكتب ؟ ولعل وصف الكتاب باستعمال الجدل ، ووصف ابن سينا باللجوء إلى التمويه والخداع ، أحفظ لكرامة ابن سينا من أن نصفه بأنه لا يفرق بين الدعوى والدليل ، حيث يدعى على خصومه الوقوع في المصادرة ، في أمر ليس فيه مصادرة .
* * * وننتقل إلى موقف آخر وأخير من مواقف ابن سينا ، ضد علماء الكلام ، في نفس موضوع قدم العالم ؛ وذلك بخصوص دليلهم الثالث . يقول ابن سينا :
[ ولم يزل غير المتناهى من الأحوال التي يذكرونها معدوما ، إلا شيئا بعد شئ . وغير المتناهى المعدوم قد يكون فيه أكثر وأقل ، ولا يثلم ذلك كونها غير متناهية في العدم ] .
وذلك ردّا على دليلهم القائل :
[ ثم كل وقت يتجدد يزداد عدد تلك الأحوال ، وكيف يزداد عدد ما لا نهاية له ؟ ] .
ومفاد هذا الدليل أن أحوالا جديدة تحدث في العالم ، فهذه الأحوال تنضاف إلى مجموعة الأحوال السابقة ، ويزداد عدد المجموعة بمقدارها .
وهذا القدر من المعرفة ثابت متفق عليه ، ولا يستطيع أن يمارى فيه إلا من لا عقله له .
ثم بعد ذلك يقول علماء الكلام : إن هذه الزيادة تأتى على قابل لها ، ولا يقبل الزيادة إلا ناقص محدود متناه ؛ فلا بد إذن أن يكون الذي قبلها محدودا ، فلا يكون العالم قديما .
وأما على القول بقدم العالم - هكذا يقول علماء الكلام للفيلسوف - فلا يمكن أن يكون ما لا يتناهى من الأحوال ، موضعا لقبول الزيادة . فقولك بقدم العالم ، مع الاعتراف بما لا مفر من الاعتراف به ، وهو اطراد الزيادة وقتا بعد وقت ،
ميزان العمل — صفحة 128
مساهمون: الغزالي
ص١٢٨