فهذا هو نفس المتنازع فيه ، أنه ممكن أو غير ممكن ، فكيف يكون مقدمة في إبطال نفسه ؟ أفبأن يغير لفظها تغييرا لا يتغير به المعنى ؟ ]
ففي هذه المرة يواجه « ابن سينا » الحقيقة ، ويصور وجهة نظر علماء الكلام تصويرا صحيحا ، يقول : أتقصدون : أن الأخير مسبوق بأشياء لا يحصى عددها ، وكل واحد منها وجد في وقت غير وقت الآخرين ، فيكون هناك أزمان لا تحصى ؛ فكيف انقضت حتى جاء دور الأخير ؟
فهذا التصوير هو التصوير الصحيح لوجهة نظر علماء الكلام ، وابن سينا بهذا التصوير يواجه المشكلة من غير حجاب ، ومن غير مواربة .
لكن إذا كان قد فهم وجهة نظر خصومه فهما صحيحا ، فبماذا قابلها ؟
إنه قابلها باتهام أصحابها بأنهم يتخذون الشئ مقدمة في إبطال نفسه ، وذلك هو ما يسمى بالمصادرة ، والمصادرة طريقة فاسدة .
ولكن هل حقيقة اتخذ علماء الكلام الشئ مقدمة في إبطال نفسه ؟
تعال ، ننظر ! !
أين هو الشئ ؟ ! وأين إبطاله ؟ !
أما الشئ : أعنى الشئ المتنازع فيه ، إثباتا ونفيا ، فهو قدم العالم .
ومعنى قدم العالم ، عدم بدايته ، ومعنى عدم بدايته ، أنه ما من حال إلا وقبلها حال ، فليست هناك حال ، هي أول الأحوال .
وأما إبطاله : أعنى الدليل على بطلان قدم العالم ، من وجهة نظر علماء الكلام ، ذلك الدليل الذي يرى « ابن سينا » أنه هو والدعوى شئ واحد ، فهو القول : بأنه لو كان العالم قديما ، لما أمكن أن يوجد شئ من الأشياء ، لكن الثاني باطل بالمشاهدة .
وما أدى إلى الباطل باطل .
فقدم العالم باطل .
أما الملازمة : فإثباتها ، أن كل شئ من الأشياء مسبوق - بناء على القول بقدم العالم - بأشياء غير متناهية ، وما هو مسبوق بأشياء متناهية أو غير متناهية لا يجئ دوره في الوجود ، إلا إذا انتهى دور السابق عليه . والسابق
ميزان العمل — صفحة 126
مساهمون: الغزالي
ص١٢٦